دراسة ترصد نصف قرن من الجفاف بحوض أم الربيع وتكشف تفاوتاً في تأثيراته

دراسة ترصد نصف قرن من الجفاف بحوض أم الربيع وتكشف تفاوتاً في تأثيراته

 كشفت دراسة علمية حديثة امتدت معطياتها على مدى نحو نصف قرن، عن صورة مركبة لتاريخ الجفاف في حوض أحمد الحنصالي بأعالي أم الربيع، من خلال الجمع بين بيانات التساقطات والتدفقات المائية وصور الأقمار الصناعية، بهدف رصد مدى استجابة الموارد المائية والغطاء النباتي للتقلبات المناخية التي عرفتها المنطقة.

ونشرت الدراسة في مجلة “Modeling Earth Systems and Environment”، وشملت الفترة الممتدة بين 1975 و2023، بالاعتماد على معطيات خمس محطات لقياس التساقطات، إلى جانب سجلات التدفقات والواردات المائية، وصور أقمار صناعية من نوع Landsat لتتبع التغيرات التي طرأت على الغطاء النباتي داخل الحوض.

ويعد حوض أحمد الحنصالي من الأحواض المائية الواقعة بأعالي نهر أم الربيع، والمرتبطة بالمجال المغذي لسد أحمد الحنصالي، ويمتد على مساحة تقارب 3380 كيلومتراً مربعاً، فيما تتراوح تضاريسه بين مناطق منخفضة لا يتجاوز ارتفاعها نحو 613 متراً ومناطق جبلية تفوق 2400 متر.

ويفسر هذا التباين التضاريسي، بحسب نتائج الدراسة، جزءاً من الاختلاف في تأثير فترات الجفاف بين مناطق الحوض، سواء على الموارد المائية أو على الغطاء النباتي.

24 سنة بتساقطات دون المتوسط

وبالاعتماد على مؤشر التساقطات الموحد (SPI)، سجلت 24 سنة من أصل 49 سنة شملتها الدراسة، أي ما يعادل نحو 49 في المائة، قيماً سالبة تشير إلى تساقطات كانت دون المتوسط.

وبرزت ضمن السنوات التي سجلت ظروفاً جافة أعوام 1982 و1994 و1998 و1999 و2015، فيما سجل عامَا 2021 و2023 بعضاً من أدنى قيم مؤشر التساقطات خلال الفترة المدروسة.

وفي المقابل، عرفت سنوات 1995 و2008 و2009 و2010 ظروفاً رطبة بشكل لافت، وكانت سنة 1995 الأكثر رطوبة وفق المؤشر الإجمالي المعتمد على مستوى الحوض.

ولم يكن تواتر السنوات ذات التساقطات دون المتوسط متطابقاً بين مختلف المحطات الخمس، إذ بلغت النسبة الأعلى في محطة ترحات 55.1 في المائة، بينما اقتربت النسب المسجلة في محطات أخرى من نصف سنوات فترة الرصد.

وتشير الدراسة كذلك إلى ارتفاع تواتر فترات الجفاف منذ بداية تسعينيات القرن الماضي مقارنة بالفترة الممتدة بين 1975 و1990، غير أن هذا المعطى لا يعني بالضرورة وجود تراجع خطي ومتواصل في التساقطات سنة بعد أخرى.

الجفاف الهيدرولوجي يكشف صورة أكثر تعقيداً

وتظهر الصورة بشكل أكثر تعقيداً عند الانتقال من قياس كمية الأمطار إلى تتبع المياه التي تصل فعلياً إلى المجاري والسدود.

فوفق مؤشر الجفاف الهيدرولوجي (SDI)، سجلت 26 سنة من أصل 49 سنة، أي ما يعادل 53.1 في المائة، قيماً دون المتوسط.

وسجلت سنة 2019 أدنى قيمة في السلسلة المدروسة، بعدما بلغ المؤشر -1.60، وهو ما يبرز أن انخفاض الواردات المائية لا يتطابق بالضرورة بشكل مباشر مع مستوى التساقطات المسجل خلال السنة نفسها.

وتتداخل في تحديد حجم الموارد المائية السطحية عوامل متعددة، من بينها تراكم تأثير السنوات السابقة، وحالة التربة، والثلوج، وطبيعة التكوينات الجيولوجية، والتبخر، فضلاً عن الاستعمالات البشرية للمياه.

وتجعل هذه العوامل الاستجابة الهيدرولوجية للحوض أكثر تعقيداً من مجرد قياس كمية الأمطار المسجلة خلال سنة معينة.

وفي المقابل، أظهر البحث وجود ارتباط قوي بين مؤشر نقص التساقطات ومؤشر الجفاف الهيدرولوجي، بما يعكس حساسية الموارد المائية داخل الحوض لتقلبات الأمطار.

الغطاء النباتي لا يستجيب للجفاف بالطريقة نفسها

وأتاحت صور الأقمار الصناعية Landsat للباحثين رصد الفوارق المجالية في استجابة الغطاء النباتي لفترات الجفاف.

وأظهرت النتائج أن الأراضي الزراعية الموجودة في المناطق الأقل ارتفاعاً تبدو أكثر هشاشة أمام فترات الجفاف مقارنة بالمناطق الغابوية الواقعة في المرتفعات.

ويربط الباحثون هذا الاختلاف بمجموعة من العوامل، من بينها طبيعة الغطاء النباتي وخصائص التربة والارتفاع والتكوين الجيولوجي، إضافة إلى إمكانية استفادة بعض الزراعات من مياه السقي.

وتكشف هذه النتائج أهمية اعتماد مقاربة مجالية في تدبير مخاطر الجفاف، إذ إن الاعتماد على مؤشر عام على المستوى الوطني أو الجهوي قد يخفي فروقاً كبيرة بين المناطق الواقعة داخل الحوض المائي نفسه.

تزايد تواتر الجفاف دون إثبات اتجاه خطي

ورغم أن السلسلة الزمنية الممتدة لنحو خمسة عقود أظهرت تكراراً أكبر لفترات الجفاف خلال العقود الأخيرة، فإن الباحثين تعاملوا بحذر مع هذه النتيجة.

فوفق الاختبارات الإحصائية المعتمدة في الدراسة، لم يبلغ الاتجاه العام مستوى الدلالة المطلوبة لإثبات وجود تدهور خطي ومتواصل في ظروف الجفاف على امتداد الفترة كاملة.

وبالتالي، لا تثبت المعطيات وجود مسار مستمر نحو مزيد من الجفاف سنة بعد أخرى، لكنها تكشف في المقابل تزايد تواتر أحداث الجفاف خلال العقود الأخيرة داخل حوض يعرف أصلاً تقلبات كبيرة في التساقطات والواردات المائية.

وتبرز أهمية هذه النتائج في سياق تدبير الموارد المائية، خصوصاً أن تحسن حقينة السدود خلال موسم مطري جيد لا يلغي بالضرورة آثار سنوات الجفاف السابقة.

وتشير قراءة المعطيات الممتدة بين 1975 و2023 إلى أن الموارد المائية بالحوض تتأثر بتقلبات متكررة، وأن تقييم الوضع المائي يحتاج إلى النظر في الاتجاهات طويلة المدى والتفاوتات المجالية، بدل الاكتفاء بأداء موسم مطري واحد.