انطلقت، اليوم الثلاثاء بمدينة بنجرير، فعاليات لقاء دولي مخصص لتسليط الضوء على أدوار المزارعات في التحول المستدام للنظم الزراعية والغذائية، بمبادرة من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، من خلال مبادرة “المثمر”، وذلك بمناسبة السنة الدولية للمزارعات 2026.
ويحمل اللقاء، الذي تحتضنه جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، شعار “حيث تقود النساء، تتحول النظم الغذائية”، ويجمع مزارعات وعالمات ورائدات أعمال وخبراء وفاعلين عموميين ومؤسسات دولية وهيئات تمويل ومنظمات تنشط في مجال التنمية الزراعية.
ويتضمن البرنامج يوماً من الورشات التقنية المنظمة بشراكة مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، والمخصصة لمناقشة “خارطة الطريق العالمية لمنظمة الفاو لتحقيق الأمن الغذائي في سياق العمل المناخي”، إلى جانب جلسات رفيعة المستوى وورشات “ماستر كلاس” وزيارات ميدانية.
وخلال الجلسة العلمية الأولى، التي حملت عنوان “القيادة والأثر الاقتصادي: المزارعات يقدن مستقبلا أكثر صمودا”، ركز المشاركون على أهمية التمكين الاقتصادي للنساء في القطاع الزراعي، وعلى الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لضعف استفادتهن من الموارد والفرص المتاحة.
التعاونيات النسائية.. تمكين ما يزال هشاً
وقالت صابرة مشروحي، رئيسة قسم تنمية القطاع التعاوني بمكتب تنمية التعاون (ODCO)، إن السجل الرسمي يضم أكثر من 69 ألف تعاونية، بأزيد من 800 ألف عضو، تمثل النساء حوالي 34 في المائة منهم.
وأشارت مشروحي إلى أن عدداً من الدراسات أظهر استمرار صعوبات تواجهها المزارعات في الاستفادة من برامج الإرشاد والتكوين المصممة لتلبية احتياجاتهن، فضلاً عن محدودية الولوج إلى الائتمان والتمويل والأراضي.
واعتبرت أن برامج دعم التعاونيات النسائية، ضمن السياسات العمومية مثل استراتيجية “الجيل الأخضر” وما سبقها من مخطط “المغرب الأخضر”، ساهمت في تحقيق أشكال من التمكين الاقتصادي، لكنها ما تزال، بحسب تقييمها، هشة ولا تعالج جميع أوجه التفاوت داخل سلاسل القيمة.
وأكدت المتحدثة أن المغرب يتوفر على أطر نظرية وسياسات مرتبطة بإدماج النوع الاجتماعي، غير أن التحدي، وفق طرحها، يكمن في الانتقال من الإدماج الشكلي إلى سياسات تستجيب بشكل مباشر لواقع المزارعات.
كما عددت من بين التحديات التي تواجه القيادة النسائية داخل التعاونيات ضعف التمويل والصور النمطية ومحدودية الاستفادة من بعض السياسات، مشيرة إلى أهمية انتقال التعاونيات من مجرد توفير الدخل إلى امتلاك القيمة عبر تطوير العلامات التجارية والحصول على شهادات المطابقة وإبرام العقود والوصول المباشر إلى الأسواق.
الفاو تحذر من كلفة فجوة الإنتاج
من جهته، قال ديفيد لابورد، مدير قسم اقتصاد النظم الزراعية والغذائية بمنظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، إن النساء يمثلن نحو نصف المزارعين في العالم، لكن إنتاجيتهن لكل هكتار تقل، وفق المعطيات التي قدمها، بـ25 في المائة مقارنة بالرجال.
وأرجع لابورد هذا الفارق إلى مجموعة من العوامل، من بينها محدودية حصول النساء على المدخلات الزراعية وحقوق ملكية الأراضي والائتمان وغيرها من الموارد الضرورية للإنتاج.
وحذر المسؤول في الفاو من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفجوة، مشيراً إلى أن عدم تمكين المزارعات يؤدي إلى فقدان جزء من الإنتاج الزراعي الممكن تحقيقه، وينعكس على مداخيل المجتمعات القروية.
كما لفت إلى استمرار الفجوة في الدخل والأجور داخل النظام الزراعي، معتبراً أن انخفاض دخل النساء يمكن أن يؤثر بدوره على جودة النظام الغذائي للأسر وعلى الأجيال المقبلة.
التمويل وحده لا يكفي
بدوره، دعا هاري شوير، مسؤول قسم الشراكات الاستراتيجية في مسرع الابتكار التابع لبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، إلى تطوير طرق قياس أثر البرامج الموجهة إلى صغار المزارعين، وعدم الاكتفاء بحساب عدد المستفيدين منها.
وشدد على أهمية قياس فرص العمل والدخل والإنتاج الغذائي التي يتم خلقها فعلياً، مشيراً إلى أن تمكين المزارعات لا يرتبط بالتمويل وحده، بل يحتاج أيضاً إلى المواكبة التقنية والتكوين في المجالات المالية والرقمية والتجارية.
واستحضر في هذا الصدد برنامج “SheCan” للتمويل الأصغر، الذي يشرف عليه برنامج الأغذية العالمي، والذي يقدم قروضاً منخفضة الفائدة للمزارعات الصغيرات، إلى جانب الدعم التقني والتكوين.
وأكد شوير أن اختلاف الظروف المحلية للمزارعات يفرض اعتماد حلول تراعي خصوصية كل منطقة، بدل تطبيق نموذج موحد للدعم.
أسمهان الوافي: تغيير الظروف وليس الاعتراف فقط
من جانبها، أكدت أسمهان الوافي، المديرة التنفيذية للمجموعة البحثية الاستشارية الدولية “CGIAR”، أن النساء يساهمن فعلياً في بناء مستقبل النظم الغذائية من مواقع مختلفة، كمزارعات وعالمات ورائدات أعمال ومبتكرات وقائدات.
غير أنها أشارت إلى استمرار وجود عوائق تحد من وصول العديد من النساء إلى الأراضي والتمويل والتكنولوجيا والأسواق والمعرفة ومواقع اتخاذ القرار.
وقالت إن الاعتراف بدور المرأة لا يكفي، داعية إلى تغيير الظروف التي تعمل وتبتكر وتقود فيها المزارعات.
كما شددت على أهمية توجيه البحث العلمي نحو التحديات التي تحددها النساء أنفسهن، بدل الاقتصار على تطوير تكنولوجيات موجهة إليهن دون إشراكهن في تحديد حاجياتهن وأولوياتهن.
“المثمر” يستعرض تجارب تعاونيات نسائية
وعرفت التظاهرة أيضاً تقديم تجارب عدد من التعاونيات النسائية التي استفادت من دعم ومواكبة مبادرة “المثمر”، خاصة في مجال اعتماد الممارسات الزراعية المستدامة وتحسين الدخل وتعزيز الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، قالت خديجة الهاني، رئيسة التعاونية النسوية “النحلة الحمراء” بمدينة بنسليمان، إن فريق “المثمر” شكل، وفق تعبيرها، شريكاً في نجاح التعاونية، مشيدة بالدعم والمواكبة التي استفادت منها.
واعتبرت الهاني أن تخليد السنة الدولية للمزارعات يشكل مناسبة لإبراز تجارب التعاونيات النسائية والوقوف على مساهمة النساء في تطوير القطاع الزراعي وتعزيز قدرتهن على خلق القيمة داخل سلاسل الإنتاج.
