المال العام والاستثمار والأجور.. هل اختلت أولويات السياسة الاقتصادية بالمغرب؟

المال العام والاستثمار والأجور.. هل اختلت أولويات السياسة الاقتصادية بالمغرب؟
في المغرب، يبدو أن الدولة قطعت أشواطاً واسعة في دعم الاستثمار الخاص وتحفيز المقاولات، بينما لا يزال تحسين دخل الأجراء يتحرك بوتيرة أبطأ، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول التوازن بين متطلبات الاستثمار والعدالة الاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر برفض دعم المستثمرين أو معاداة رجال الأعمال، فاقتصاد من دون استثمار يصعب عليه خلق الثروة وفرص الشغل وتوفير الموارد الضرورية لتمويل السياسات الاجتماعية. غير أن الإشكال يبرز عندما يصبح دعم رأس المال سياسة مستمرة، في حين يظل تحسين القدرة الشرائية للمواطن مرتبطاً بزيادات محدودة وجولات متكررة من الحوار الاجتماعي.

ومنذ بداية الولاية الحكومية، احتل الاستثمار الخاص موقعاً مركزياً في التصور الاقتصادي، عبر مجموعة من آليات التحفيز والإعفاءات وتعبئة العقار والبنيات التحتية ومواكبة المقاولات.

وتكشف أرقام النفقات الجبائية عن حجم هذا التوجه؛ إذ بلغت خلال سنة 2025 نحو 32 مليار درهم، فيما استفادت المقاولات من حوالي 14.36 مليار درهم، أي ما يمثل 44.8 في المائة من مجموع النفقات الجبائية.

ولا يعني ذلك أن هذا المبلغ تحول مباشرة إلى دعم مالي نقدي لفائدة رجال الأعمال، فالنفقات الجبائية تشمل إعفاءات وتخفيضات وتدابير ضريبية مختلفة، بعضها يرتبط بأهداف اقتصادية واجتماعية مشروعة. لكن الأرقام تعكس في المقابل حجم الموارد التي تتخلى عنها الدولة عبر النظام الضريبي لتحقيق أهداف معينة.

ارتفاع الأجور لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة

في الجهة المقابلة، يظل المواطن مطالباً بالنظر إلى كل زيادة في الأجر باعتبارها مكسباً كبيراً، رغم أن تأثيرها الفعلي قد يتراجع أمام ارتفاع تكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم والصحة.

وقد سجل الحد الأدنى القانوني للأجر ارتفاعاً مهماً خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ مجموع الزيادة المقررة بين 2021 و2026 نحو 20 في المائة في الأنشطة غير الفلاحية و25 في المائة في الأنشطة الفلاحية.

كما ارتفع متوسط الأجر الصافي في الوظيفة العمومية، وفق المعطيات الحكومية، من 8237 درهماً سنة 2021 إلى 10600 درهم سنة 2025.

غير أن تقييم السياسة الاجتماعية لا ينبغي أن يتوقف عند نسب الزيادة، لأن المؤشر الأهم بالنسبة للمواطن هو قدرته الفعلية على تلبية حاجيات أسرته والاحتفاظ بجزء من دخله بعد أداء مختلف المصاريف.

فالزيادة في الراتب تفقد جزءاً من أثرها عندما تتزامن مع ارتفاع متواصل في الأسعار، وهو ما يجعل تحسين القدرة الشرائية أكثر تعقيداً من مجرد رفع الأجر الاسمي.

الأجر جزء من السياسة الاقتصادية

المشكلة، وفق هذا الطرح، تتمثل في التعامل مع الأجور باعتبارها ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن السياسة الاقتصادية، بينما يمكن أن تكون الأجور المرتفعة نسبياً أحد محركات النمو نفسها.

فالعامل الذي يحصل على دخل أفضل تكون لديه قدرة أكبر على الاستهلاك، كما تتسع قدرة أسرته على مواجهة النفقات، ويزداد الطلب الداخلي، وهو ما يمكن أن يساهم في دعم النشاط الاقتصادي وتقوية الطبقة الوسطى.

ومن هذه الزاوية، فإن تحسين الأجور لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً على المقاولات فقط، بل باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري والاستقرار الاجتماعي وقوة الطلب الداخلي.

الاستثمار وحده لا يصنع التنمية

لا شك أن جذب الاستثمارات وتحسين مناخ الأعمال وتوفير التحفيزات عوامل مهمة لتحقيق النمو، لكن الاستثمار لا يتحول تلقائياً إلى تنمية شاملة بمجرد دخول رؤوس الأموال إلى الاقتصاد.

فالتنمية تبدأ عندما تتحول الاستثمارات إلى وظائف مستقرة، وأجور لائقة، وقيمة مضافة، ومساهمات ضريبية عادلة، ومنافع تمتد إلى المجتمع.

ومن هنا يطرح النقاش سؤالاً أساسياً حول مدى ربط الامتيازات العمومية بنتائج واضحة على مستوى جودة فرص الشغل والأجور وظروف العمل.

فالدولة قادرة على مواكبة شركة في مشروع استثماري، وتعبئة العقار أو البنية التحتية أو بعض آليات الدعم، لكنها مطالبة أيضاً بضمان استفادة الأجراء من جزء عادل من القيمة التي يساهمون في إنتاجها.

هل يتحمل العامل وحده كلفة ارتفاع المعيشة؟

تظهر المفارقة عندما تكون الدولة مستعدة لتقاسم جزء من مخاطر الاستثمار مع المقاولة، بينما يجد العامل نفسه في مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة بقدرة تفاوضية محدودة.

ولا تعني هذه المقارنة أن دعم الاستثمار أمر سلبي، وإنما تطرح سؤالاً حول الشروط التي ينبغي أن ترافق الاستفادة من الامتيازات العمومية.

فالتنافسية تظل ضرورية، لكن بناء تنافسية دائمة على أساس الأجور المنخفضة ليس خياراً مستداماً. فالعامل الأكثر إنتاجية يحتاج إلى تعليم جيد وصحة جيدة وسكن لائق ونقل مناسب، إضافة إلى أجر يوفر له الحد الأدنى من الاستقرار.

لذلك، فإن التعامل مع الأجر باعتباره مجرد تكلفة ينبغي تقليصها قد يضر، على المدى الطويل، بالهدف نفسه المتمثل في رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد.

نحو سياسة وطنية جديدة للأجور

المطلوب، في هذا السياق، يتجاوز الزيادة السنوية في الأجور نحو بناء سياسة وطنية تربط بين التضخم والإنتاجية والربحية والقدرة الشرائية.

كما يمكن أن تشكل الاستفادة من الامتيازات والتحفيزات العمومية مناسبة لفرض التزامات واضحة على الشركات المستفيدة، خصوصاً فيما يتعلق بجودة الوظائف والأجور والتكوين والاستقرار المهني.

فترك العلاقة بين رأس المال والعمل لقواعد السوق وحدها قد لا يؤدي دائماً إلى أجور عادلة، خاصة في القطاعات التي تعرف هشاشة في التشغيل وضعفاً في التنظيم النقابي.

وتملك الدولة، بحكم دورها التشريعي والتنظيمي وتوزيعها للامتيازات العمومية، أدوات تسمح لها بإعادة التوازن عندما يختل ميزان القوة بين العامل والمقاولة.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر باختيار الاستثمار على حساب الأجراء أو العكس، وإنما ببناء معادلة أكثر توازناً: استثمار منتج، ومقاولة تنافسية، وأجور لائقة، وعدالة في توزيع ثمار النمو.

فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى حكومة تعادي رجال الأعمال، كما لا تحتاج إلى إغلاق أبواب الاستثمار، وإنما تحتاج إلى سياسة تجعل التحفيزات العمومية مرتبطة بالنتائج، وتجعل تحسين الأجور جزءاً من المشروع الاقتصادي لا مجرد استجابة ظرفية للمطالب الاجتماعية.