سبتة تحت ضغط الهجرة.. التضليل الرقمي يفاقم الجدل السياسي حول المغرب

سبتة تحت ضغط الهجرة.. التضليل الرقمي يفاقم الجدل السياسي حول المغرب

 

تارودانت بريس 24 - جريدة تارودانت بريس 24 الإخبارية

تزامنت موجة العبور الجماعي الأخيرة للمهاجرين نحو مدينة سبتة المحتلة مع انتشار واسع لمحتويات مضللة على منصات التواصل الاجتماعي، أعادت تقديم مشاهد قديمة أو خارجة عن سياقها على أنها توثق أحداثا مرتبطة بالحدود المغربية الإسبانية، في وقت دخلت فيه القضية على خط التجاذبات السياسية والإعلامية داخل إسبانيا.

ورصدت منصة التحقق الإسبانية Maldita.es ما لا يقل عن 37 مادة مضللة أو مجتزأة خلال الأسابيع التي أعقبت موجة العبور، شملت مقاطع مصورة التقطت في مناطق مختلفة من العالم، بينها ولاية شرناق التركية وجنوب إفريقيا، قبل تقديمها على أنها مشاهد من مضيق جبل طارق.

كما أعيد تداول صور ومقاطع قديمة تعود إلى مليلية والناظور على أنها مرتبطة بأحداث سبتة، بينما استُخدمت صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، من بينها مشاهد لأحذية عائمة فوق المياه، إلى جانب عناوين تلفزيونية صيغت بطريقة توحي بوقائع مغايرة لمضمونها الحقيقي.

تحقيقات ترصد تضخيما منظما للروايات

وتتبعت مجموعة 411 لمكافحة التضليل، في تحقيقات نشرتها صحيفتا The Guardian وThe Irish Times، جانبا من الشبكات التي ساهمت في نشر وتضخيم روايات تقدم عمليات العبور باعتبارها "هجوما منسقا".

وشمل تحليل المجموعة نحو 4.5 ملايين منشور، أظهرت نتائجه انتشار محتويات بعدة لغات تضمنت في بعض الحالات خطابا معاديا للمهاجرين والمسلمين واليهود.

وبحسب المعطيات الواردة في التحقيق، تجاوزت هذه المواد 720 ألف مشاهدة خلال ست ساعات فقط يوم فاتح غشت، مع بروز قنوات مثل Rybar على تطبيق تلغرام وشبكة Pravda ضمن القنوات التي ساهمت في انتشار هذه الروايات.

ووصف باحثون هذه الدينامية بأنها "طريق سريع للمعلومات شديد التنظيم"، معتبرين أنها قد تشكل مؤشرا على حملات تضليل مستقبلية مرتبطة بأزمات الهجرة والحدود في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

قرار قضائي إسباني يدخل على خط الأزمة

وتزامن ذلك مع قرار للمحكمة العليا الإسبانية صدر في 29 يونيو الماضي، تحت رقم 814/2026، بشأن إمكانية تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم أثناء السباحة باتجاه سبتة أو مليلية، في ظل غياب حاجز مادي داخل البحر.

وأدى تداول القرار عبر منصات التواصل إلى انتشار تأويلات تزعم أن الحدود أصبحت "مفتوحة"، بينما كانت نقابات الحرس المدني والشرطة الإسبانية قد أثارت خلال يوليوز مخاوف بشأن ما وصفته بفراغ قانوني، وطالبت بوضع إجراءات واضحة للتعامل مع عمليات العبور البحري.

وأفادت مصادر من وزارة الداخلية الإسبانية بأن حاجزا عائما جرى تركيبه خلال 48 ساعة من نشر القرار، في محاولة للتعامل مع الوضع الميداني.

اليمين الإسباني يوظف الهجرة في الصراع السياسي

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الجانب الأمني والقضائي، إذ تحولت التطورات المرتبطة بالهجرة إلى مادة سياسية استثمرتها قوى اليمين الإسباني، خصوصا حزب فوكس والحزب الشعبي.

وهاجم زعيم حزب فوكس، سانتياغو أباسكال، الحكومة الإسبانية بشدة، مستخدما عبارات من قبيل "الغزو" و"العمل الحربي"، كما وجه اتهامات إلى المغرب وطالب بتشديد الوجود العسكري على الحدود.

من جانبه، طالب زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونيث فيخو، رئيس الحكومة الإسبانية بالمثول أمام البرلمان، داعيا إلى إعادة الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة.

كما تحدث رئيس الحزب الشعبي في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أمام البرلمان الأوروبي عن أرقام كبيرة للمهاجرين العابرين، في وقت ساهم فيه تداول أرقام وروايات مختلفة في تعقيد النقاش السياسي والإعلامي.

حصيلة الضحايا تظل غير محسومة

وفي الجانب الإنساني، لا تزال الحصيلة النهائية للوفيات المرتبطة بعمليات العبور محل نقاش، في ظل صعوبة تحديد هويات الضحايا.

ووفقا لوكالة الأنباء الإسبانية EFE، كان معهد الطب الشرعي في سبتة قد تسلم 80 جثة وأجرى 79 عملية تشريح إلى غاية 5 غشت، فيما لم يتم التعرف على هوية سوى ست جثث إلى حدود 20 غشت.

وتكشف هذه المعطيات أن أزمة العبور إلى سبتة لا تختزل في بعدها الأمني فقط، بل تجمع بين مأساة إنسانية حقيقية، وتجاذب سياسي إسباني، وتدفق واسع لمعلومات مضللة ساهم في تعقيد فهم الرأي العام لطبيعة الأحداث وخلفياتها.