لم تكن الحرائق التي اجتاحت مناطق واسعة من ولاية جيجل مجرد كارثة بيئية عابرة، بل تحولت إلى مأساة إنسانية خلّفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول مدى جاهزية منظومة الوقاية والتدخل لمواجهة حرائق الغابات واسعة النطاق.
وبحسب المعطيات الواردة في النص، بلغت الحصيلة الأولية 73 قتيلاً، إلى جانب تضرر منازل ومواشٍ ومحاصيل، فيما وجد سكان عدد من المناطق أنفسهم أمام نيران انتشرت بسرعة كبيرة، ما صعّب عمليات الفرار والإنقاذ.
وتكشف شهادات الناجين والمشاهد التي خلفتها الحرائق عن حجم المأساة التي عاشتها الأسر المتضررة، إذ اضطر بعض السكان إلى مغادرة منازلهم على عجل، بينما حاول آخرون إنقاذ أفراد عائلاتهم وممتلكاتهم ومواشيهم قبل أن تحاصرهم ألسنة اللهب.
وتطرح هذه الكارثة تساؤلات حول مدى استعداد السكان والسلطات لمواجهة حرائق بهذا الحجم، خصوصاً أن السيطرة على الحرائق الكبرى تتطلب تدخلاً سريعاً ومنظومة متكاملة تشمل الرصد المبكر، ووسائل الإخماد الجوي، وفتح المسالك، وتنظيم عمليات الإجلاء، وتوفير التجهيزات الضرورية لفرق الإنقاذ.
كما أعادت الخسائر البشرية النقاش حول فعالية الوسائل المتوفرة لمواجهة حرائق الغابات، خاصة في المناطق التي تعرف انتشاراً واسعاً للغطاء الغابوي وتضاريس تجعل الوصول إلى بؤر النيران أكثر صعوبة.
وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية مواجهة النيران بمفرده. فالدور الأساسي للمواطن هو الحفاظ على سلامته والامتثال لتعليمات الإجلاء، بينما تقع مسؤولية التدخل والإنقاذ على منظومة مؤسساتية قادرة على الوصول إلى المناطق المهددة في الوقت المناسب.
ولا تختزل مأساة جيجل في أرقام الضحايا والخسائر المادية، لأن خلف كل رقم أسرة فقدت قريباً أو منزلاً أو مصدر رزق. كما أن آثار الكارثة ستتجاوز لحظة اندلاع النيران لتترك تداعيات اجتماعية ونفسية وبيئية على سكان المناطق المتضررة.
وبينما تخمد ألسنة اللهب، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً حول الإجراءات التي يمكن اعتمادها مستقبلاً لتقليص حجم الخسائر، وتعزيز الإنذار المبكر، وتسريع عمليات الإجلاء، ورفع جاهزية فرق التدخل لمواجهة حرائق أكثر اتساعاً وشدة.
لقد انطفأت النيران في بعض المناطق، لكن أسئلة الوقاية والاستعداد والإنقاذ ستظل حاضرة، في انتظار تقييم شامل لما حدث واستخلاص الدروس الكفيلة بمنع تكرار المأساة.
