أكادير بريس.. الخبر من سوس ماسة أولاً
تارودانت بريس | Taroudant Press جريدة إلكترونية مغربية تهتم بنقل أخبار تارودانت وأكادير والجهة، وتواكب أبرز المستجدات الجهوية والوطنية. تقدم تغطيات متنوعة تشمل قضايا المجتمع، السياسة، الحوادث، الرياضة، والشؤون التربوية، بأسلوب مهني واضح يركز على المصداقية وسرعة نقل الخبر، مع محتوى رقمي متجدد يلبي اهتمامات القارئ.
وتعيد هذه الحركية إلى الواجهة النقاش حول موقع القبيلة الصحراوية داخل المشهد السياسي، والأدوار التي ما تزال تضطلع بها في التأطير والتواصل والتعبئة، ومدى تأثير الروابط القبلية والاجتماعية في السلوك الانتخابي، في منطقة انتقلت تدريجياً من أنماط التنظيم التقليدي إلى فضاء المؤسسات المنتخبة.
ولا تبدو هذه الدينامية منفصلة عن الوظائف التاريخية التي اضطلعت بها القبيلة في تنظيم المجتمع الصحراوي وتدبير علاقاته الداخلية، إذ يرى باحثون أن بعض تلك الوظائف أعيد توظيفها ضمن سياقات سياسية ومؤسساتية حديثة، مع استمرار حضور البنية القبلية داخل النسيج الاجتماعي المحلي.
قال ربيع أوطال، الأستاذ الباحث في السوسيولوجيا بجامعة السلطان مولاي سليمان، إن المحطات الانتخابية داخل مجالات الساقية الحمراء ووادي الذهب ووادي نون تشكل مناسبة لاستدعاء النفوذ القبلي، مع استمرار بعض أنماط تراتبية السلطة التي تعود جذورها إلى مرحلة البداوة والترحال.
وأوضح أوطال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن دراسة ميدانية أنجزها خلال انتخابات 2015 و2016 بمدينة العيون، ونشر خلاصاتها في كتاب بعنوان “قبائل البيضان والانتخابات” سنة 2017، خلصت إلى حضور قوي للانتماء القبلي في توجيه السلوك الانتخابي، مقابل حضور أقل للانتماء الحزبي، وفق نتائج الدراسة التي قدمها الباحث.
وبحسب أوطال، فإن الترشيح والتصويت يجريان، في جانب منهما، تحت تأثير الحسابات والتحالفات القبلية، التي تعكس موازين النفوذ داخل المجالات المحلية.
ويرى الباحث أن القبيلة، باعتبارها تنظيماً اجتماعياً تقليدياً، تتوفر على قدرة على التأثير في التنظيمات المدنية، بما فيها الأحزاب السياسية، مشيراً إلى أن قرار الترشح قد يسبق أحياناً الحصول على التزكية الحزبية.
كما اعتبر أن لوائح الترشيح يمكن أن تعكس موازين القوة والتحالفات داخل كل مجال محلي، مع إمكانية الاستعانة بمكونات اجتماعية مختلفة من أجل توسيع قاعدة الدعم الانتخابي.
وربط أستاذ السوسيولوجيا هذه المعطيات بطبيعة المنافسة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية وبمستويات المشاركة المسجلة في عدد من الاستحقاقات، معتبراً أن العامل القبلي ليس التفسير الوحيد لهذه المشاركة، التي ترتبط أيضاً، وفق قراءته، برغبة المكونات المحلية في ضمان حضورها داخل المؤسسات المنتخبة والمساهمة في تدبير قضايا المنطقة.
وأشار أوطال إلى أن هذا النمط من التأثير الاجتماعي لا يقتصر بالضرورة على الأقاليم الجنوبية، بل يمكن أن يظهر بأشكال مختلفة في مناطق أخرى من المملكة، خصوصاً في البوادي والمدن الصغرى والمتوسطة حيث تستمر الروابط العائلية والاجتماعية التقليدية في لعب أدوار داخل المجال السياسي.
من جانبه، أوضح عبداتي الشمسدي، الباحث في التاريخ الجهوي للجنوب المغربي، أن الخصوصية الاجتماعية والمجالية للأقاليم الجنوبية تجعل القبيلة مكوناً حاضراً في عمليات التأطير والتواصل والتعبئة خلال المحطات الانتخابية.
وقال الشمسدي، في تصريح للجريدة، إن هذا الدور برز خلال استحقاقات سابقة ويظهر مجدداً مع الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، من خلال لقاءات تحتضنها بيوت شيوخ القبائل والأعيان، وتستهدف حث المواطنين على المشاركة في العملية الانتخابية.
ويرى الباحث أن هذه اللقاءات تعكس استمرار المكانة الاعتبارية للأعيان المحليين، إلى جانب الوظائف الاجتماعية التي ما تزال تضطلع بها مؤسسة القبيلة في عدد من مناطق الجنوب.
وتوفر الروابط العائلية والقبلية، وفق هذه القراءة، قنوات للتواصل والتشاور بشأن القضايا العامة، بما فيها الانتخابات واختيار الممثلين داخل المؤسسات المنتخبة.
وتتصل هذه الممارسة أيضاً بمؤسسة “أَجْمَاعَة”، التي يشار إليها كذلك بمجلس “أيت لَرْبْعِينْ” أو “كُبَّارْ القبيلة”، باعتبارها إطاراً تقليدياً للتشاور والتداول واتخاذ القرار داخل التنظيم القبلي.
ويعتبر الشمسدي أن حضور هذه المؤسسة في سياق التعبئة الانتخابية يعكس استمرار بعض أشكال التنظيم الاجتماعي التقليدي في التفاعل مع المؤسسات السياسية الحديثة، لكنه يشدد في المقابل على أن التأثير الاجتماعي لا يلغي حق الناخب في الاختيار الحر.
وتكتسب الحركية القبلية خلال الانتخابات دلالة خاصة في الأقاليم الجنوبية، حيث يربط عدد من شيوخ القبائل والأعيان المشاركة السياسية بالحضور داخل المؤسسات الوطنية واختيار ممثلين قادرين، من وجهة نظرهم، على الدفاع عن قضايا الساكنة ومواكبة مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وفي المقابل، يطرح حضور القبيلة في المشهد الانتخابي سؤالاً حول الحدود الفاصلة بين التعبئة من أجل المشاركة وبين التأثير في الاختيار الفردي للناخب.
فبينما تقدم بعض اللقاءات القبلية باعتبارها مبادرات لحث المواطنين على ممارسة حقهم في التصويت، تكشف قراءات سوسيولوجية وتاريخية عن استمرار حضور التحالفات والروابط الاجتماعية في تشكيل جزء من التنافس الانتخابي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يبقى حجم تأثير هذه التعبئة على النتائج الفعلية رهيناً بما ستفرزه صناديق الاقتراع، في وقت تضع فيه الانتخابات القبيلة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على التوفيق بين أدوارها الاجتماعية التقليدية ومتطلبات الممارسة الديمقراطية الحديثة.
ويفتح هذا النقاش، في نهاية المطاف، الباب أمام أسئلة أوسع بشأن علاقة القبيلة بالأحزاب السياسية، وحدود نفوذها داخل المجال الانتخابي، ومدى تحولها من إطار اجتماعي تقليدي إلى فاعل مؤثر في الحياة السياسية والمؤسسات المنتخبة بالأقاليم الجنوبية.