تارودانت بريس 24 – أعاد التحول اللافت في موقف الجزائر تجاه السلطة العسكرية في مالي طرح أسئلة واسعة حول طبيعة المقاربة التي تعتمدها الدبلوماسية الجزائرية في تدبير ملفات منطقة الساحل، بعدما انتقلت العلاقات بين الجزائر وباماكو من مرحلة التصعيد الحاد إلى استئناف الاتصالات والانفتاح السياسي.
فبعد أشهر من التوتر وتبادل الاتهامات، استقبلت الجزائر رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا، قبل أن يوجه الرئيس عبد المجيد تبون دعوة إلى قائد السلطة العسكرية في مالي، الجنرال أسيمي غويتا، لزيارة الجزائر، في خطوة تعكس تغيراً واضحاً في مستوى التعامل مع القيادة المالية.
من الانتقاد إلى الانفتاح
ويطرح هذا التحول تساؤلات بشأن مدى ثبات المواقف الجزائرية السابقة من وصول العسكريين إلى السلطة في دول الساحل، خصوصاً أن الانقلابات العسكرية كانت حاضرة بقوة في الخطاب الدبلوماسي الجزائري خلال السنوات الماضية.
غير أن التطورات الإقليمية أعادت ترتيب الأولويات، إذ يبدو أن الجزائر باتت أمام واقع جديد في منطقة الساحل، يفرض عليها التعامل مع سلطات عسكرية أصبحت تمسك فعلياً بمقاليد الحكم في عدد من دول المنطقة.
وتكتسب مالي أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية معها، فضلاً عن ارتباط استقرار منطقة الساحل مباشرة بالحسابات الأمنية والسياسية للجزائر.
أزمة دبلوماسية سبقت المصالحة
ولم يكن التقارب الحالي متوقعاً بعد الأزمة التي شهدتها العلاقات بين البلدين، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة، وتخللتها إجراءات دبلوماسية وتصعيد سياسي وتبادل للاتهامات.
كما وصل التوتر إلى اتخاذ قرارات مرتبطة بالمجال الجوي واستدعاء ممثلين دبلوماسيين، قبل أن تبدأ خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على عودة قنوات التواصل بين الطرفين.
ويعكس هذا المسار رغبة متبادلة في تجاوز الخلافات السابقة، أو على الأقل احتواء تداعياتها، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل.
تحولات الساحل تفرض واقعاً جديداً
وتزامن التحول الجزائري مع تنامي حضور تحالف دول الساحل الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الدول التي اختارت خلال السنوات الأخيرة تبني مقاربة أكثر استقلالية عن القوى الإقليمية والدولية التقليدية.
وأمام هذه المعطيات، تجد الجزائر نفسها مطالبة بإعادة تقييم أدواتها الدبلوماسية في منطقة تعتبرها جزءاً أساسياً من مجالها الأمني والاستراتيجي.
ويرى منتقدون للسياسة الجزائرية أن الانفتاح الجديد على القيادة المالية يعكس محاولة لاستعادة مساحة من النفوذ الذي تراجع خلال الفترة الماضية، بينما يمكن تفسيره من زاوية أخرى باعتباره تكيفاً دبلوماسياً مع واقع سياسي جديد فرضته التطورات الميدانية في الساحل.
البراغماتية في مواجهة ثبات المواقف
وبين خطاب سياسي سابق وممارسة دبلوماسية جديدة، يبرز سؤال أوسع يتعلق بحدود البراغماتية في السياسة الخارجية الجزائرية.
فالتعامل مع حكام مالي العسكريين باعتبارهم شركاء رسميين، بعد مرحلة من الانتقادات والتوتر، يؤكد أن الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح المشتركة يمكن أن تعيد ترتيب المواقف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأمن الإقليمي.
وفي نهاية المطاف، فإن التقارب الجزائري المالي الجديد لا يختزل في مجرد مصالحة دبلوماسية، بل يعكس التحولات العميقة التي تعرفها منطقة الساحل، حيث أصبحت الجزائر أمام ضرورة الموازنة بين مواقفها المعلنة ومصالحها الاستراتيجية، في محيط إقليمي تتغير فيه موازين القوى بسرعة.
taroudant press 24 - جريدة تارودانت بريس 24 الإخبارية
