المغرب بعد ثلاث سنوات من توقف الصيد الأوروبي.. هل يحتاج فعلاً إلى الاتفاق؟

المغرب بعد ثلاث سنوات من توقف الصيد الأوروبي.. هل يحتاج فعلاً إلى الاتفاق؟

 

منذ مغادرة السفن الأوروبية للمياه المغربية في 17 يوليوز 2023، لم يعرف الاقتصاد المغربي الانهيار الذي قد يوحي به حجم الجدل حول اتفاق الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي. فالمملكة واصلت تمويل مشاريعها الكبرى وتدبير ميزانيتها، بينما ظلت الثروة السمكية المغربية خارج نطاق الاستغلال المباشر للأساطيل الأوروبية.

وانتهى البروتوكول السابق، الذي دخل حيز التنفيذ في 18 يوليوز 2019، بعد أربع سنوات بلغت خلالها قيمته الإجمالية نحو 208.7 ملايين يورو، منها 160.6 مليون يورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي و48.1 مليون يورو كرسوم مرتبطة بمالكي السفن.

غير أن المبلغ المخصص فعلياً مقابل الولوج إلى المصايد لم يتجاوز 82.9 مليون يورو، بينما خصصت 77.7 مليون يورو لدعم القطاع. وبذلك لم يكن المقابل المباشر للولوج إلى الثروة السمكية يتجاوز، في المتوسط، حوالي 20.7 مليون يورو سنوياً.

قيمة محدودة مقابل ثروة استراتيجية

كان البروتوكول يتيح عشرات التراخيص للأساطيل الأوروبية، بينها حصة مهمة لإسبانيا، كما سمح بصيد كميات متزايدة من الأسماك السطحية خلال سنوات الاتفاق.

وتكمن الإشكالية في أن القيمة الاقتصادية الناتجة عن هذه المصطادات لم تكن تتوقف عند مرحلة الصيد، بل تمتد إلى النقل والتبريد والتحويل والتعليب والتسويق، وهو ما كان يخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأوروبي.

وتشير المعطيات الواردة في النص إلى أن كل يورو ينفق في إطار الاتفاق كان يولد نحو 3.3 يورو من القيمة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، ما يعكس اتساع الفارق بين المقابل المالي المدفوع والقيمة الاقتصادية الإجمالية المستفادة.

أولوية السوق المغربية

في المقابل، يطرح استمرار ارتفاع أسعار الأسماك، وعلى رأسها السردين، سؤالاً أساسياً حول مدى جدوى منح الأولوية للأساطيل الأجنبية في استغلال مورد طبيعي يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي للمغاربة.

ولا يمكن اختزال أزمة أسعار الأسماك في اتفاق الصيد وحده، إذ تتداخل فيها عوامل أخرى، من بينها الوسطاء والمضاربة وتكاليف النقل والتوزيع والتهريب، لكن تعزيز استفادة السوق الوطنية من الثروة البحرية يبقى خياراً اقتصادياً واجتماعياً مطروحاً بقوة.

المغرب أمام فرصة لإعادة صياغة الشراكة

إن مرور أكثر من ثلاث سنوات دون بروتوكول جديد يثبت أن المغرب قادر على مواصلة سياسته الاقتصادية دون الاعتماد على المقابل المالي المحدود الذي كان يوفره الاتفاق السابق.

ولا يعني ذلك بالضرورة إغلاق باب التعاون مع أوروبا، بل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة صياغة الشراكة على أسس أكثر توازناً، من خلال تطوير الأسطول الوطني، وتشجيع الصناعات التحويلية، وإلزام تفريغ جزء أكبر من المصطادات بالموانئ المغربية، ورفع نسبة تشغيل البحارة المغاربة.

الخلاصة: الثروة السمكية ليست مجرد مورد مالي عابر، وإنما رصيد استراتيجي واقتصادي وغذائي. ولذلك فإن أي اتفاق مستقبلي ينبغي أن يقاس بحجم القيمة التي يضيفها للاقتصاد المغربي، وليس فقط بحجم المقابل المالي الذي تحصل عليه الخزينة.