دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 20 غشت 2026، وذلك بعد مسار تشريعي أثار نقاشاً واسعاً بين المؤسسات المعنية والهيئات المهنية للمحامين.
وصدر الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 5 ربيع الأول 1448 الموافق لـ18 غشت 2026، والقاضي بتنفيذ القانون الجديد، الذي يتضمن مجموعة من المقتضيات المتعلقة بتنظيم مهنة المحاماة وشروط ممارستها، في وقت لا تزال فيه الهيئات المهنية تبدي تحفظات قوية بشأن عدد من مواده والطريقة التي انتهى بها مساره التشريعي.
وبالتزامن مع دخول النص حيز التنفيذ، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب استمرار قرارها القاضي بالامتناع عن تقديم كافة الخدمات المهنية، في إطار الاحتجاج الذي يخوضه المحامون منذ 15 يونيو الماضي، كما تقرر عقد جمع عام استثنائي لمجلس الجمعية يوم 5 شتنبر المقبل.
ويأتي ذلك بعد قرار المحكمة الدستورية الصادر في 11 غشت الجاري، والذي قضى بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بمدى مطابقة القانون للدستور، بسبب عدم إرفاق رسالة الإحالة بالنص الذي وافق عليه مجلس المستشارين خلال القراءة الثانية، في مقابل إرفاق وثائق تخص الصيغة التي صادق عليها مجلس النواب.
وكانت جمعية هيئات المحامين بالمغرب قد حملت رئاسة مجلس النواب مسؤولية هذا الخلل الإجرائي، معتبرة أن الأمر لا يتعلق بمجرد سهو، بالنظر إلى طبيعة المسطرة الدستورية ودقتها.
نشر القانون يفاجئ المحامين
واعتبر محمد بنساسي، عضو هيئة المحامين بالرباط، أن نشر القانون في الجريدة الرسمية شكل مفاجأة بالنسبة إلى عدد من المحامين، خصوصاً في ضوء التطورات التي عرفها مساره التشريعي وقرار المحكمة الدستورية الأخير.
وأوضح بنساسي أن المسار الذي كان منتظراً بعد قرار المحكمة الدستورية كان يتمثل في تصحيح مسطرة الإحالة من طرف رئيس مجلس النواب، ثم إعادة عرض القانون على المحكمة حتى تتمكن من ممارسة رقابتها على مقتضياته ومدى انسجامها مع الدستور.
وشدد المتحدث على أن المحكمة الدستورية لم تحسم في دستورية القانون، ولم تصدر قراراً بمطابقة مقتضياته للدستور، وإنما تعذر عليها البت في الإحالة بسبب الكيفية التي قدمت بها إليها.
من جهته، عبر الحبيب بنشيخ، رئيس الجمعية الوطنية للمحامين بالمغرب، عن موقف مماثل، معتبراً أن نشر القانون خلال يوم عطلة شكل مفاجأة للمحامين وللرأي العام، خصوصاً في ظل استمرار الجدل حول المسطرة التي أحيل بها النص على المحكمة الدستورية.
ويرى بنشيخ أن الجهة التي قامت بالإحالة وكانت مسؤولة عن الاختلالات الإجرائية كان يفترض أن تعمل على تصحيح المسطرة وإعادة إحالة النص بشكل سليم، حتى تتمكن المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها.
كما اعتبر أن عدداً من مقتضيات القانون لا تنسجم، من وجهة نظره، مع استقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع، مشيراً إلى أن إعداد النص لم يراع، بحسب تقديره، المقاربة التشاركية المنصوص عليها دستورياً.
الاحتجاج مستمر والخيارات مفتوحة
ويؤكد استمرار الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية أن نشر القانون في الجريدة الرسمية لم يضع حداً للأزمة بين الحكومة والهيئات المهنية للمحامين، بل نقل الخلاف إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والدستورية والمهنية.
وأوضح بنساسي أن توقف المحامين عن أداء مهام الدفاع استمر لما يقارب ثلاثة أشهر، وهو ما خلف، وفق تقديره، أعباء مهنية ومادية كبيرة، خصوصاً بالنسبة إلى المحامين الشباب.
وأكد أن الاحتجاج يرتبط، بحسب موقف الجسم المهني، بالدفاع عن استقلال المحاماة وحصانة الدفاع باعتبارهما ضمانتين أساسيتين للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، وليس باعتبارهما امتيازات مهنية.
بدوره، شدد بنشيخ على أن قرار الامتناع الشامل عن تقديم الخدمات المهنية ما يزال سارياً، مؤكداً أن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني انتهاء النقاش بشأنه أو إغلاق ملف الأزمة.
اجتماع شتنبر يرسم المرحلة المقبلة
وتتجه الأنظار حالياً إلى الاجتماع الاستثنائي المرتقب لجمعية هيئات المحامين بالمغرب في 5 شتنبر المقبل، حيث ينتظر أن تتم مناقشة الخطوات المقبلة وتحديد طبيعة التحرك المهني تجاه القانون الجديد.
ويرى بنساسي أن الخيارات المتاحة أمام الهيئات المهنية تظل محدودة ومعقدة، من بينها الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات وتفعيل أشكال احتجاجية أخرى، مع إمكانية اللجوء إلى إجراءات قد تشمل استقالة النقباء وعدم الدعوة إلى الانتخابات المهنية، وهو ما قد يطرح تداعيات كبيرة على سير المؤسسات المهنية ومنظومة العدالة.
أما الخيار الثاني فيتمثل، وفق المتحدث نفسه، في العودة إلى ممارسة المهام داخل المحاكم، بالتوازي مع مواصلة الضغط المهني والنضال من أجل إدخال تعديلات على القانون، خصوصاً في ما يرتبط باستقلال الدفاع وحصانته والتنظيم الذاتي للمهنة.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ لا يمثل نهاية الخلاف، بل بداية مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل تنظيم مهنة المحاماة، ومدى تحقيق التوازن بين مقتضيات التنظيم القانوني وضمان استقلال المهنة وحماية حقوق المتقاضين.
