تشهد دول المغرب الكبير تحولات ديموغرافية متسارعة، مع تسجيل تراجع واضح في معدلات الخصوبة، في وقت أصبحت فيه الأسر تميل بشكل متزايد إلى الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال، بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة.
وتظهر البيانات الواردة في المعطيات المتداولة تصدر تونس لدول المنطقة من حيث انخفاض معدل الخصوبة، بنحو 1.53 طفل لكل امرأة، مقابل حوالي 1.97 في المغرب، بينما تسجل الجزائر معدلاً أعلى نسبياً يصل إلى 2.61 طفل لكل امرأة.
ويرتبط هذا التحول، وفق تفسيرات اجتماعية واقتصادية، بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد أعباء تربية الأطفال، إلى جانب تغير نظرة الأسر إلى حجم العائلة مقارنة بما كان سائداً خلال العقود الماضية.
كما ساهم ارتفاع مستويات التعليم، وتزايد مشاركة النساء في سوق العمل، والرغبة في تحقيق الاستقلال المهني والشخصي، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بتربية الأطفال، في تأجيل الزواج والإنجاب لدى فئات واسعة من الشباب.
وأصبحت الأسر الصغيرة أكثر انتشاراً، فيما يختار بعض الأزواج الاكتفاء بطفل واحد، بينما يفضل آخرون تأجيل قرار الإنجاب أو الاستغناء عنه، نتيجة حسابات مرتبطة بالاستقرار المالي ونمط الحياة.
وتثير هذه التحولات مخاوف بشأن مستقبل التركيبة السكانية في المنطقة، خصوصاً إذا استمر انخفاض الخصوبة لفترات طويلة، إذ قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة المسنين مقابل تراجع حصة السكان في سن العمل.
كما يمكن أن تفرض هذه التطورات ضغوطاً إضافية على أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، وتدفع حكومات دول المنطقة إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالأسرة وسوق الشغل والهجرة.
ويُرجح أن يصبح الحفاظ على التوازن الديموغرافي من أبرز التحديات التي ستواجه المغرب وتونس والجزائر خلال العقود المقبلة، في ظل تغير أولويات الأجيال الجديدة وتبدل نظرتها إلى الزواج والإنجاب.
