أثارت تصريحات بثتها إذاعة إسبانية بشأن تاريخ المغرب، جدلاً واسعاً، بعدما زعمت مارغاريتا توريس، المتخصصة في تاريخ العصور الوسطى، أن المملكة المغربية لم تكن موجودة قبل سنة 1957، وأن مدينتي سبتة ومليلية لم تكونا مغربيتين في أي مرحلة من تاريخهما.
وأفردت إذاعة "كوبي" أكثر من 20 دقيقة من برنامجها "لا تاردي" لهذه التصريحات، مقدمة توريس باعتبارها مؤرخة، دون إتاحة مساحة لرأي مخالف أو استضافة متخصص في تاريخ المغرب وشمال إفريقيا لمناقشة ما ورد على لسانها.
وذهبت توريس إلى حد اعتبار المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية مجرد "خيال"، في طرح أثار انتقادات بسبب ما اعتبره متابعون تجاهلاً لمعطيات تاريخية ووثائق دبلوماسية تعود إلى قرون سابقة.
تخصص أكاديمي بعيد عن تاريخ المغرب
وتبرز المعطيات المتعلقة بالمسار الأكاديمي لمارغاريتا توريس أنها متخصصة أساساً في تاريخ العصور الوسطى لمملكة ليون، إذ تركزت أبحاثها على الأسر النبيلة والسلطة والذهنيات في مملكة ليون، إلى جانب تاريخ قشتالة وشخصية "إل سيد" والحروب والعلاقات السياسية في إسبانيا الوسيطة.
كما أن توريس تنتمي سياسياً إلى الحزب الشعبي الإسباني، وتشغل مقعداً في المجلس الجماعي لمدينة ليون، وهو ما اعتبره منتقدو تصريحاتها عاملاً إضافياً ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تقديم مواقفها المتعلقة بالعلاقات المغربية الإسبانية.
ويرى منتقدو المقاربة التي اعتمدتها الإذاعة أن تقديم شخصية متخصصة في تاريخ ليون باعتبارها مرجعاً في تاريخ المغرب، دون إشراك مؤرخين متخصصين في المنطقة المغاربية، يطرح علامات استفهام حول المعالجة الإعلامية للموضوع.
معاهدات تعود إلى القرن الثامن عشر
ومن أبرز المفارقات التي أثارتها التصريحات أن توريس نفسها أشارت إلى وجود معاهدات أبرمها سلاطين مغاربة مع إسبانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن القول بعدم وجود المغرب ككيان سياسي قبل سنة 1957.
ومن بين الوثائق التي يستند إليها منتقدو هذه الرواية معاهدة الصلح والتجارة المبرمة سنة 1767 بين ملك إسبانيا كارلوس الثالث والسلطان سيدي محمد بن عبد الله، بما يؤكد وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين الطرفين قبل التاريخ الذي ربطت به توريس ظهور الدولة المغربية.
كما تعود العلاقات الدبلوماسية المغربية الأمريكية إلى القرن الثامن عشر، حيث أقامت الولايات المتحدة علاقات مع السلطان محمد الثالث، قبل توقيع معاهدة السلام والصداقة سنة 1786.
1957 لم يكن ميلاد المغرب
ويستند الطرح التاريخي المناقض لتصريحات توريس إلى أن سنة 1957 لم تشهد نشأة المغرب كدولة، وإنما عرفت تغييراً في اللقب الرسمي لرأس الدولة، بعدما أصبح السلطان محمد الخامس يحمل لقب الملك.
وكان المغرب قد استعاد استقلاله سنة 1956 بعد فترة الحماية الفرنسية والإسبانية، غير أن انتهاء الحماية لا يعني نشوء الدولة من جديد، باعتبار أن نظام الحماية قام أساساً فوق كيان سياسي قائم له مؤسساته وسيادته وشخصيته القانونية.
كما تعاقبت على المغرب عبر قرون دول وسلالات سياسية متعددة، من الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين والسعديين إلى الدولة العلوية.
وبذلك، فإن الجدل الذي أثارته الإذاعة الإسبانية لا يرتبط فقط بقراءة تاريخية مختلفة، وإنما يمتد إلى طريقة تقديم الوقائع التاريخية وعزلها عن سياقها السياسي والدبلوماسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتاريخ المغرب وعلاقاته مع القوى الأوروبية.
