جولة في السوق الكبير بتارودانت .. نحلمو شوية !!
انطلق عبد القادر ومحمد في جولتهما بالسوق الكبير من سوق (الحلايسية) حيث كان يوجد فندق الديوان الذي تحول إلى قيسارية رائجة لمحلات الأثواب والحلي والملابس التقليدية والأحذية ولعب الأطفال .. تتوسطها نافورة مُبطنة بالفسيفساء ينساب منها الماء كأنه الكوثر، وبالقرب منها مكتبة الأوقاف التي تضم بين رفوفها العتيقة عددا كبيرا من الكتب والمجلات الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، اقتنى منها عبد القادر كتابين مهمين: (أجوبة سيدي سعيد بن علي الهوزالي) و(تاريخ الأوقاف بالمغرب في عصر السعديين من خلال حوالات تارودانت وفاس).
أخبر محمد صديقه أن هذه القيسارية كانت فيما مضى مركزا للمبادلات التجارية ونُزلا للتجار الأجانب الذين يفدون على المدينة من مرسى فونتي وماسة لأجل تزويد الأسواق بالبضائع الأوروبية مقابل السكر والشمع والنيلة والعنبر والجلود ..
في طريقهما إلى عمق السوق الكبير، توقف عبد القادر فجأة أمام زقاق ضيق بسوق الحلايسية وهو يتأمل في نقيشة كتب عليها (حمام الصفارين) قبل أن يعرجا إلى فندق سي الحسن وسوق الجوطية وسوق الصياغين وسوق الجوالق قرب المدرسة الإسلامية للبنات التي تحولت إلى متحف دائم لذاكرة التعليم بالمدينة وقد كانت في الأصل إدارة للأحباس.
اما حمام الصفارين المعروف عند أهل تارودانت بـ (حمام الحدادة) والذي شغل بال عبد القادر بمعماره الفريد الذي يمزج بين الأصالة والمعاصرة، فقد أصبح قبلة لساكنة المدينة القديمة يقصده الناس للنظافة والاغتسال، ولا زال بعضهم يردد قصة الأمير يحيى الحاحي: كيف قتل مسموما إثر خروجه من قاعة (البرمة) التي يسخن فيها الماء، بمكيدة مدبرة من رجال السلطان زيدان السعدي؟
تابع عبد القادر وصديقه محمد سيرهما عبر النسيج العتيق للسوق الكبير مرورا بسوق السكر وسوق الصابون وسوق الخضارين وسوق التمر وسوق البقالين وسوق العطارين وسوق الخرازين البالي ورحبة الدرازين وسوق الغزل .. شعر عبد القادر وهو يتنقل بين فضاءات السوق ومداخل أقواس حُرم سيدي وسيدي، وكأنه في متاهة من الأزقة تختزن عبق التاريخ وذكريات الماضي..
يُعد السوق الكبير من أشهر أسواق المدينة وأقدمها، ذكره القاضي التمنارتي في (الفوائد الجمة) ووسمه بسوق البلد، كان يضم أسواقا متنوعة تنتظم داخله حسب الاختصاص، وها هو اليوم بعد تأهيله بمواصفات وخدمات تليق بمكانته التاريخية، يواصل أدواره التجارية والاجتماعية والثقافية، ويعج بالزوار طوال أيام الأسبوع ..
تعالت أصوات الأذان في الأرجاء المحيطة بالسوق الكبير معلنة وقت دخول صلاة المغرب من مآذن المساجد القريبة .. أدى عبد القادر ومحمد الصلاة جماعة بمسجد الرحبة القديمة قبل أن يتوجها إلى وسط الساحة التي شهدت مع مرافقها ومداخلها ترميمات على الطراز المعماري الأصيل، أخذت بعين الاعتبار ما تزخر به المدينة في هذه النقطة من صابات، وفنادق، وحمام قديم، ومقابر مرابطية، وزوايا صوفية، وأبواب حُرم، وصناعات تقليدية، وسُويقة، وفنون شعبية ..
ولإبراز الحمولة الثقافية للسوق الكبير تحول فندق الحاج محمد أوبالي إلى مركز للتعريف بتاريخ الحركة التجارية بالفنادق القديمة خلال خمسة قرون، يعرض تحفا فنية ونماذج من منتوجات أسواق المدينة..
سرح عبد القادر بفكره وعلامات الانشراح تملأ وجهه، وهو يتأمل المجال العمراني للضريح الذي شُيد على قبر الولي الصالح سيدي محمد بن أحمد من صلحاء المدينة في القرن 10هـ/16م.
لبث مليا، ثم سأل: هل لديكم أخبار عن قبر الشيخ موسى بن أحمد التودماوي أستاذ الفقه والقراءات بمدرسة الجامع الكبير بتارودانت الذي درس أحمد المنصور الذهبي لما كان تحت رعاية أبيه السلطان محمد الشيخ السعدي؟
محمد: نعم .. ضريحه قريب من هنا .. سنعرج عليه إن شاء الله بعد أن أخبرك عن هذا البراح الذي كان بالأمس سوقا رائجة للحبوب؛
عبد القادر: وما قصته؟
محمد: كان في الأصل أرضا معروفة للسيد الحاج العباس بن عمر المصلوحي المراكشي قبل أن يُحبسها عام 1800م على زاوية سيدي وسيدي، يُصرف في ضرورياتها ومصالحها، وما فضِل منه يُصير على المساكين الذين يأوون إليها..
ولو أن المصلوحي بعث اليوم لرأى بأم عينيه حصاد أرضه التي حبَّسها على المساكين، قد أينعت وصارت سوقا كما أرادها (لا يحسد فيه أحد أحدا، والكل فيه سواء)
رحم الله من قال: (إذا كانت بلاد المشرق هي بلاد الرسل والأنبياء، فإن بلاد المغرب هي أرض الصالحين والأولياء)..
لم يستطع عبد القادر أن يَحبس دموعه وهو يدعو للشيخ موسى وفقهاء المدينة ومدرسيها وصلحائها بالرحمة والمغفرة:
اللهم لا تحرِمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم، ووسِّع مُدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد، وتقبَّلهم وجميع مشايخنا ومَن علَّمنا برحمتك الواسعة يا رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
