السوق الكبير بتارودانت .. الذاكرة والمستقبل (1)
محمد سرتي
1- نوستالجيا
يُعد السوق الكبير بتارودانت الذي حلاه القاضي التمنارتي في فوائده الجمة بسوق أهل البلد، أحد أكبر الأسواق التاريخية بالمدينة وأبرزها.
لازلت أزوره اليوم ولازال يحملني كلما زرته للتروي إلى عالم ينبض بالحياة والذكريات الآسرة، حيث تربطني به وشائج عاطفية واجتماعية، إذ كنت أتردد في السبعينيات من القرن الماضي عبر أزقته ونسيجه العتيق على الوالد (سي الحسين) حفظه الله المعروف عند أهل تارودانت بـ (مول الخيط) بمحله الحبسي في نقطة استراتيجية تفصل بين سوق السكر وسوق الصابون.
الطريق آنذاك من منزلنا بحومة الرحبة القديمة إلى المحل، بات شريطا محفورا في الذاكرة يبدأ من البيت بدريبة المامون قرب آيت سي علال، إلى صابة آيت أولامين ومنها إلى براح الرحبة، ثم سوق الطرافين ومنه، عبر الباب المقوس المسمى بباب الفحل وأحد أبواب حُرم سيدي وسيدي، إلى الجزارين وسوق الصابون حيث يوجد محل الوالد رقم 186 .. الرقم الذي طالما كتبته على الأظرفة أيام الدراسة وحتى بعد تخرجي ولعله أول رقم حفظته عن ظهر قلب، للمحل بابان أحدهما يُقفل بأبواب خشبية تُرص بطريقة عجيبة كأنها مربكة هندسية من نوع (البازل) ..
في المحل أصنف الإبر والكروشيات حسب مقاساتها، وأتفنن في ترتيب بكارات الخيط من نوع الناقوس واللوكس والنسر والمْركب والنْجوم بألوانها المختلفة والمتداخلة، كما أمسح الغبار مستعملا (لبليمو) عن كبات الصوف والمديجات والمرمات والكوردون والسفيفة والعقاد والصابرا والفولارات والشالات والطواقي المزركشة وغيرها من السلع المعروضة التي كان يشتريها الوالد بالجملة من أسواق مراكش والدار البيضاء في رحلة الشتاء والصيف مستقلا حافلة آيت أمزال من ساحة أساراك أوراغ الشهيرة، وعندما يحين وقت الفطور أهرع إلى (با العياشي) رحمه الله لأشتري الشاي والسكر مقسطا ثم أتوجه إلى المقهى المجاور لإعداد الشاي وتذويب الزبدة في مقلاة خاصة، وشراء الخبز المنسم بالحبة السوداء عند بائع الخبز المعروف بسوق الجوالقية (لا أذكر اسمه) أو عند (بابا علي) بقيسارية الأحباس ..
كان (با العياشي) شخصا غريب الأطوار لا تكاد تسمع صوته .. أقف أمامه مشدوها سيما بعد أن سمعت أنه أقبر ثم عاد للحياة من جديد حاملا معه أسرار القبر والبرزخ !!
ومما أتذكره أنني إذا تركت وحيدا في المحل أبيع بالخسارة أحيانا لأنني لا أرضى أن أرد الزبائن فكان الوالد يغضب لذلك سيما وأنه يوصيني بعدم البيع لأحد، بل كان يضع عصا مائلة أمام المحل مما يثير حفيظتي ويزعجني وأنا ابن عشر سنوات.
ومن ذكريات السوق الكبير المفعمة بالروح الوطنية، احتفال الحرفيين وأرباب المتاجر بعيد العرش المجيد (يوم 3 مارس) من كل سنة، في هذا اليوم يتحول السوق برمته إلى تحفة فنية تزينها الأعلام والرايات والمصابيح الحمراء والخضراء وصور الملوك العلويين .. وتتحول المحلات التجارية إلى جلسات لتجاذب أطراف الحديث بين المعلمين والتجار، يفترشون الزرابي التقليدية ويشربون الشاي المنعنع ويستمعون للملحون ..
ومما أذكره جيدا أنني كنت أساهم في التحضير لهذا اليوم بإخراج الرايات والمصابيح التي كان الوالد يخبئها في المصرية التي تعلو المحل، وإحضار لوازم الشاي من البيت والمساعدة في تأثيث المحل وتجهيز القعدة بالمجمر والمقراج النحاسيين والصينية والعماير وشراء الغريبة من عند (با العياشي) والفواكه الجافة من سوق القشاشين.
وفي العطلة الصيفية أذكر أنني أشتري النعناع بالجملة (الذراع) وأبيعه مقسطا (القبضة) لأصحاب المحلات التجارية في الفترة الصباحية كما أصنع طاولة خشبية أضعها أمام المحل لبيع ناطا والباسطا وفانيد اللوزة وفروادو .. وكنت أستمتع برش الماء أمام المحل (التقطاب) تحت سقف القصب الذي يخفف من حرارة الجو وقيظ النهار.
كان السوق الكبير مدرسة حقيقية متعددة الفضاءات، فيها الخياط الفقيه والدراز الحكيم والبقال النبيه والعطار الطبيب والحلاق الراوية والديويد البراح الذي يصدح بأوامر المخزن من فوق حماره، والكراب الذي يجوب السوق طولا وعرضا بلباسه المميز يروي العطشان .. مدرسة تعلمنا فيها ألف باء الحياة والكفاح والتسامح وتشبعنا فيها بقيم المواطنة في مجتمع يتسم بالقناعة والبساطة والتعاون على البر والتقوى .. يتبع
