عبق التاريخ ينبض في تارودانت: تاريخها العريق يعود بنا إلى الأيام السابقة كأول مطبعة في المغرب.

عبق التاريخ ينبض في تارودانت: تاريخها العريق يعود بنا إلى الأيام السابقة كأول مطبعة في المغرب.

 عبق التاريخ ينبض في تارودانت: تاريخها العريق يعود بنا إلى الأيام السابقة كأول مطبعة في المغرب.

بقلم: عزيز بن الفقيه

تعتبر تارودانت، المدينة الجنوبية الجميلة في المغرب، منطقة ذات تاريخ غني وثقافة متنوعة. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بتفوق المنطقة الشمالية في حركة الطبع والنشر مقارنةً بالمناطق الأخرى في المملكة، إلا أن الحقيقة تفضح نجاح جنوب المغرب في هذا المجال. فقد كانت تارودانت هي المدينة التي استوردت أول مطبعة في المغرب، وذلك بفضل القاضي الطيب بن محمد الروداني، الذي أحدث تحولاً تاريخياً في عالم الطبع والنشر بالمغرب.

ترجع أصول القاضي الطيب الروداني إلى منطقة أملن التي تعد جزءًا من الأسر العلمية التملية التي استقرت في تارودانت. وبفضل جهوده ورغبته في تطوير الثقافة والتعليم، استورد القاضي الروداني أول مطبعة إلى المغرب في عام 1864. وعلى الرغم من عدم استغلالها بشكل كبير في بداية الأمر، إلا أنها كانت بداية رائعة لتطور صناعة الطبع والنشر في المملكة.

تشير الوثائق التاريخية إلى أن دخول المطبعة إلى المغرب لم يتم بمبادرة من الدولة، بل كانت مبادرة فردية من القاضي محمد الطيب الروداني. وقد أظهرت الأدلة أنه كان مستعدًا للقيام بكل الجهود والتضحيات من أجل الحصول على المطبعة، بما في ذلك النفقات المالية الكبيرة لشرائها ونقلها من ميناء الإسكندرية إلى ميناء الصويرة. ويعتقد أنه قد تعرف على المطبعة من خلال الحجاج الذين سمعوا عنها، أو ربما رأى منتجاتها من خلال الكتب التي كانت تدخل المغرب عن طريق الحج، خاصةً العلماء. وقد يكون قد علم بوجود المطابع الفرنسية في الجزائر أثناء تواجده كقاضي في وجدة قبل توليه منصب القضاء في تارودانت.

تحمل قصة القاضي الطيب الروداني رمزية كبيرة في تاريخ الطباعة والنشر بالمغرب. إنه رمز للتفاني والعزيمة في تطوير المعرفة وتوسيع الثقافة. وعلى الرغم من التقزيم الذي كان يلاحظه البعض تجاه مساهمة أبناء الجنوب في هذا المجال، إلا أن تاريخ الطباعة في المغرب يؤكد أن الجنوب كان له دور مهم وله إسهامات لا يجب تجاهلها.

بفضل استيراد المطبعة الأولى في المغرب من قبل القاضي الروداني، أصبح للمملكة تاريخ طويل وحافل في عالم الطبع والنشر. ومنذ ذلك الحين، تطورت صناعة الطباعة في المغرب بشكل كبير، وانتشرت المطابع في مختلف المدن والمناطق، مما ساهم في انتشار المعرفة وتوفير المصادر الثقافية للجميع.

إن تجربة القاضي الطيب الروداني تعكس روح الابتكار والرغبة في النمو والتطور، وتذكرنا بأن العزيمة والإصرار يمكن أن تحقق تحولاً كبيراً في أي مجال. فالمطبعة التي استوردها من تارودانت أثبتت أن الإبداع ليس مقتصراً على المناطق المركزية، وإنما يمكن أن ينبعث من أي مكان في المغرب.

إن مساهمة جنوب المغرب في تاريخ الطبع والنشر تستحق الاحترام والتقدير. علينا أن نستشعر الجهود المبذولة ونعترف بالدور الذي لعبه أبناء الجنوب في تطوير الثقافة ونشر المعرفة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها صناعة الطبع والنشر في العصر الحديث، فإن تاريخنا يعلمنا أن الإرادة القوية والاستثمار في المعرفة يمكن أن يكون لهما تأثير كبير في تحقيق التقدم والتطور.

بهذه الطريقة، يمكن أن نستلهم من تاريخ الطبعة الأولى في المغرب قصة القاضي الطيب الروداني ومساهمته في تطوير الطبع والنشر. وعلينا أن نواصل دعم الصناعات الثقافية والتعليمية في جميع أنحاء المغرب، بما في ذلك الجنوب، ونعمل معًا لتعزيز الثقافة والمعرفة والإبداع في مجتمعنا. فالتقدم والتطور ليس حكرًا على منطقة أو فئة معينة، بل هو جهد مشترك يتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار.

عزيز بن الفقيه هو كاتب مقالات. هو صحفي وكاتب مغربي مشهور، وله مساهمات مهمة في مجال الصحافة والثقافة. يعتبر بن الفقيه صوتًا مهمًا في المشهد الإعلامي المغربي، ومقالاته تتميز بالتحليل العميق والأفكار المبتكرة. يعد بن الفقيه أحد الكتاب المرموقين في جريدة تارودانت بريس 24 الإخبارية، ويستمر في تقديم مقالاته القيمة التي تلقى استحسان القراء.