في تدبير الشأن العام المحلي، لا ينبغي أن يتحول السؤال إلى خصومة، ولا أن يصبح الانتقاد إساءة، لأن المواطن الذي انتخب ممثليه يظل من حقه أن يسأل عن الحضور والحصيلة والمشاريع وما تحقق فعلياً على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الذي أثير حول غياب رئيس المجلس الجماعي لتارودانت، عبد اللطيف وهبي، خلال فترات من الولاية الحالية، لا يمكن اختزاله في نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي أو في تبادل للاتهامات بين المؤيدين والمنتقدين.
فالسؤال البسيط الذي يطرحه بعض المواطنين والفاعلين المحليين هو: أين كان رئيس المجلس؟ وماذا تحقق خلال سنوات من التدبير؟
قد تختلف الآراء حول طريقة طرح هذا السؤال، وقد تتضمن بعض الانتقادات عبارات قاسية أو غير موفقة، لكن ذلك لا يلغي أصل الحق في مساءلة المسؤول المنتخب عن عمل مؤسسة عمومية.
وتكشف المعطيات المنشورة أن محمد أمهرسي، النائب الأول لرئيس المجلس، ترأس بالفعل الجلسة الأولى للدورة العادية لشهر فبراير 2026، بحضور باشا المدينة وأعضاء المجلس وممثلي وسائل الإعلام والمجتمع المدني وعدد من المواطنين.
كما أن النقاش حول حضور وهبي في تدبير شؤون الجماعة ليس جديداً؛ فقد سبق أن أثير خلال السنوات الماضية من طرف أعضاء ومنتقدين للمجلس، بينما قدم وهبي، من جهته، رواية مختلفة بشأن طبيعة دوره، موضحاً أن جزءاً من عمله انصب على الترافع لدى القطاعات الحكومية والمؤسسات من أجل جلب التمويلات والمشاريع للمدينة.
وبالتالي، فإن الحسم في هذا النقاش لا ينبغي أن يكون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما عبر الحصيلة والوثائق ومحاضر الدورات والمعطيات الرسمية.
ماذا يقول القانون؟
القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يميز بين غياب أعضاء المجلس عن الدورات وبين حالة انقطاع رئيس المجلس أو نوابه عن ممارسة المهام.
فالمادة 67 تنص على إجبارية حضور أعضاء مجلس الجماعة لدورات المجلس، وتعتبر العضو مقالاً بحكم القانون إذا لم يلب الاستدعاء لحضور ثلاث دورات متتالية أو خمس دورات متقطعة، دون مبرر يقبله المجلس. كما تنظم المادة نفسها مسألة سجل الحضور والإعلان عن أسماء المتغيبين وتوجيه نسخة من السجل إلى عامل الإقليم.
أما المادة 20، فتتحدث بشكل خاص عن وضعية انقطاع رئيس المجلس ونوابه عن مزاولة مهامهم، ومن بين الحالات المنصوص عليها الانقطاع بدون مبرر أو الامتناع عن مزاولة المهام لمدة شهرين.
وهنا تبرز نقطة أساسية: غياب الرئيس عن دورة أو أكثر لا يعني تلقائياً، من الناحية القانونية، تحقق حالة الانقطاع عن مزاولة المهام. ولذلك فإن أي حديث عن تطبيق المقتضيات القانونية يجب أن يستند إلى الوقائع الدقيقة ومحاضر الدورات وسجلات الحضور والوثائق الرسمية.
المواطن يريد الأرقام لا السجال
المواطن التارودانتي لا يحتاج بالضرورة إلى معركة كلامية مع رئيس المجلس، بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة.
كم عدد الدورات التي حضرها الرئيس؟
وكم دورة تغيب عنها؟
ما طبيعة الأعذار المقدمة، إن وجدت؟
ماذا تقول محاضر الدورات؟
وما هي حصيلة المشاريع التي تم الإعلان عنها؟
وما الذي دخل فعلاً حيز التنفيذ؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، وإنما ترتبط بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
والمدينة، بعد سنوات من الولاية الجماعية، تحتاج إلى تقييم ما تحقق على الأرض، لا الاكتفاء بما ورد في البلاغات أو الاتفاقيات أو الوعود.
فالقاعة المغطاة، والمركب الثقافي، وسوق الباعة الجائلين بحي المعديات وغيرها من المشاريع والملفات التي تشغل الرأي العام المحلي، ينبغي أن تكون موضوعاً لتقييم واضح: ماذا أُنجز؟ ماذا يوجد قيد التنفيذ؟ وما الذي تأخر؟ ولماذا؟
وفي المقابل، يظل من حق رئيس المجلس أن يقدم روايته وحصيلته، وأن يوضح للمواطنين ما تحقق، وما هي المشاريع التي تم تمويلها أو إطلاقها، وما هي الملفات التي ما تزال في طور الدراسة أو البحث عن التمويل.
وفي النهاية، فإن المساءلة ليست إهانة، والانتقاد ليس جريمة، والسؤال ليس سفاهة، كما أن الانتقاد بدوره لا يعني أن كل ما يقال صحيح.
ما تحتاجه تارودانت هو نقاش يقوم على الوثائق والأرقام والحصيلة، لأن المدينة أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أبقى من الأفراد، وما يهم المواطن في النهاية ليس أين كتب المشروع، وإنما أين يوجد المشروع على أرض الواقع وماذا غيّر في حياة السكان؟
