كشف تقرير دولي صادر في يونيو 2026 عن مفارقة لافتة في موقع المغرب داخل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إذ إنه رغم توفر المملكة على منظومة قانونية ومؤسساتية متقدمة لدعم الاستثمار، فإن عدداً من الثغرات التنفيذية والمؤسساتية ما يزال يحد من قدرتها على تحويل طموحها الإفريقي إلى تدفقات استثمارية قارية ملموسة.
ويضع التقرير المغرب أمام سؤال محوري يتعلق بمدى كفاية الحوافز القانونية والمؤسسات القائمة لتحويل المملكة إلى قطب إفريقي للاستثمار، في ظل الحاجة إلى تعزيز التنسيق والشفافية والربط العملي مع المؤسسات والأسواق الإفريقية.
مؤسسات استثمارية قائمة وحلقة تنسيق تحتاج إلى استكمال
وأشار التقرير إلى أن المغرب يتوفر على مجموعة من الآليات والمؤسسات الموجهة لدعم الاستثمار، من بينها ميثاق الاستثمار والمراكز الجهوية للاستثمار والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات.
غير أن الدراسة سجلت، وفق المعطيات التي اعتمدتها، الحاجة إلى استكمال الإطار المؤسساتي المرتبط بنقطة الاتصال الوطنية المنصوص عليها في بروتوكول الاستثمار القاري، باعتبارها آلية يفترض أن تسهل التواصل بين المستثمرين والإدارات الوطنية ونظيراتها في البلدان الإفريقية الأخرى.
وتكتسي هذه الآلية أهمية خاصة في سياق اقتصادي قاري لم يعد يعتمد فقط على الحوافز والامتيازات، بل أصبح يتطلب تبادل المعلومات وتسريع معالجة العراقيل الإدارية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات عبر الحدود.
كما أشار التقرير إلى تحديات مرتبطة بتنقل اليد العاملة ومستوى التنسيق بين عدد من المتدخلين، وهي عوامل قد تؤثر على سرعة إنجاز المشاريع وعلى جاذبية السوق أمام المستثمرين القادمين من القارة.
الاستثمارات الإفريقية لا تزال محدودة
وتبرز المفارقة بشكل أوضح عند النظر إلى مصدر الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى المغرب، إذ أورد التقرير أن الاستثمارات القادمة من بلدان إفريقية لا تمثل سوى حوالي 3,5 في المائة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المملكة، مقابل متوسط إفريقي يناهز 10 في المائة.
وفي المقابل، ظلت جهود الترويج للاستثمار المغربي موجهة بدرجة كبيرة نحو المستثمرين والأسواق العالمية، أكثر من تركيزها على استقطاب رؤوس الأموال الإفريقية.
ويرى التقرير أن المغرب، الذي يقدم نفسه بوابة اقتصادية للقارة، يحتاج إلى تطوير استراتيجية أكثر وضوحاً لاستهداف المستثمر الإفريقي، مع توفير منصات معلومات شفافة وتعزيز التنسيق المباشر بين المؤسسات المغربية والهيئات الاقتصادية القارية.
قطاع النسيج يكشف فرص التكامل الصناعي
واختار التقرير قطاع النسيج والملابس كنموذج عملي لاختبار قدرة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية على بناء سلاسل إنتاج مشتركة بين بلدان القارة.
فالمغرب يتوفر على قاعدة صناعية مهمة وخبرة واسعة في التصدير، غير أن قطاعه لا يزال مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأسواق الأوروبية وبمدخلات يتم استيراد جزء منها من خارج القارة، في وقت تتوفر دول غرب إفريقيا على إنتاج مهم من القطن دون أن تستفيد منه بشكل كامل على مستوى التحويل الصناعي.
وتبرز هنا إمكانية بناء تكامل اقتصادي جديد يقوم على ربط الإنتاج الزراعي الإفريقي بالصناعة المغربية، عبر تطوير حلقات الغزل والنسيج والتصنيع، ثم تسويق المنتجات داخل الأسواق القارية والدولية.
غير أن التقرير يؤكد أن الاتفاقيات التجارية وحدها لن تكون كافية لتحقيق هذا التحول، إذ يتطلب الأمر سياسات صناعية منسقة، ومعلومات دقيقة للمستثمرين، وتمويلاً مناسباً، وربطاً فعالاً بين دول الإنتاج والتصنيع والتسويق.
من بوابة إفريقيا إلى شريك استثماري للقارة
ويخلص التقرير إلى أن الرهان المغربي لم يعد مرتبطاً فقط بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا أو توقيع الاتفاقيات، بل بمدى القدرة على تحويل هذه العلاقات إلى مشاريع مشتركة واستثمارات متبادلة وسلاسل إنتاج عابرة للحدود.
ويمتلك المغرب، بحسب المعطيات الواردة في الدراسة، جزءاً مهماً من أدوات الانطلاق، غير أن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً حقيقياً لقدرته على الانتقال من موقع البوابة الاقتصادية نحو إفريقيا إلى موقع الشريك الاستثماري الفعلي داخل اقتصاد قاري أكثر تكاملاً.
