حصيلة وهبي أمام الكاميرا تفتح أسئلة تارودانت: بين الخطاب والواقع

حصيلة وهبي أمام الكاميرا تفتح أسئلة تارودانت: بين الخطاب والواقع

 في خرجة إعلامية مصورة، اختار عبد اللطيف وهبي، رئيس جماعة تارودانت، تقديم حصيلة تدبيره للشأن الجماعي، في مشهد أُعد بعناية، حمل كثيراً من عبارات التنويه والإشادة، من بينها تنويهه بعامل إقليم تارودانت، والإشادة بما وصفه بمجهوداته «ليلاً ونهاراً».

ومن حق رئيس الجماعة، بطبيعة الحال، أن يقدم حصيلته بالطريقة التي يراها مناسبة، وأن يدافع عن تجربته، وأن يعرض للرأي العام ما يعتبره منجزات خلال فترة تحمله مسؤولية تدبير المجلس.

لكن حين يخرج المسؤول لتقديم حصيلة، فإن الأمر لا يعود مجرد مادة للتواصل السياسي، بل يصبح مناسبة لطرح سؤال أساسي: ماذا تحقق فعلاً على أرض الواقع؟

المواطن لا يقيس المدينة بجمال الصورة

لا أحد يجادل في حق وهبي في توجيه الشكر إلى عامل الإقليم، إذا كان يرى أن هذا الأخير قدم مجهودات تستحق التنويه.

لكن، في المقابل، من حق المواطن أن يسأل عن انعكاس تلك المجهودات على حياته اليومية، لأن المدن لا تقاس بجودة الإخراج ولا بجمال الديكور، وإنما بما يلمسه المواطن في الشارع والأحياء والأسواق والمرافق.

وفي تارودانت، ما تزال مجموعة من الملفات حاضرة بقوة في النقاش المحلي، من التعمير والبناء غير المنظم، إلى تدبير الملك العام، مروراً بالموارد المائية والإنعاش والمرافق والخدمات، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى أجوبة واضحة ومعطيات دقيقة.

رئيس جماعة غائب عن بعض الدورات.. وحصيلة حاضرة أمام الكاميرا؟

ومن بين النقاط التي تستحق النقاش أيضاً مسألة حضور رئيس الجماعة في أشغال المجلس.

فالموقع الرسمي لجماعة تارودانت يوثق انعقاد عدد من دورات المجلس برئاسة نواب الرئيس، وهو معطى يفتح نقاشاً مشروعاً حول طبيعة الحضور السياسي والتدبيري للرئيس خلال الولاية الحالية.

ولا يتعلق الأمر هنا بتسجيل نقطة ضد شخص بعينه، وإنما بطرح سؤال مؤسساتي: هل يمكن تقييم تجربة رئيس جماعة بمعزل عن مدى حضوره ومشاركته المباشرة في تدبير المؤسسة المنتخبة؟

فالمواطن الذي انتخب ممثليه يريد أن يرى المسؤول داخل المجلس، وفي الاجتماعات واللجان والنقاشات، كما يريد أن يلمس حضوره في الملفات اليومية وفي الميدان.

أما أن تظهر الحصيلة أمام الكاميرا فقط، فهذا يجعل من المشروع التساؤل حول الفرق بين التواصل السياسي وبين التدبير الفعلي للشأن المحلي.

إذا كان العامل يستحق الشكر.. فماذا عن الملفات العالقة؟

قد يكون تنويه رئيس الجماعة بعامل الإقليم في محله من وجهة نظره، وقد تكون هناك بالفعل مجهودات بذلها العامل لا يعرفها المواطن أو لم تحظ بالتغطية الإعلامية الكافية.

لكن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة مختلف المتدخلين في تدبير الشأن المحلي عن الملفات التي تشغل الرأي العام.

فقد سبق أن أثيرت، من داخل المجلس وخارجه، تساؤلات حول لوائح عمال الإنعاش، إلى جانب مطالب بالكشف عنها وتوضيح معايير الاستفادة منها.

كما يظل ملف التعمير والبناء من أكثر الملفات حساسية، بالنظر إلى تأثيره المباشر على مستقبل المدينة وشكلها العمراني.

ويحضر ملف الملك العام بدوره في النقاش المحلي، في ظل ما يثار من طرف مواطنين وفعاليات بشأن احتلال بعض الفضاءات واستغلالها بطرق تطرح تساؤلات حول مدى احترام القوانين والتنظيمات.

أما الموروث المائي والبيئي، فلا يقل أهمية، خصوصاً بالنسبة إلى مدينة تاريخية ترتبط هويتها بالواحات والموارد المائية والتراث العمراني.

وهذه الملفات وغيرها لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتجاذب السياسي، بل تحتاج إلى وثائق وأرقام ومعطيات رسمية وأجوبة مؤسساتية واضحة.

تارودانت لا تحتاج إلى التلميع.. بل إلى حصيلة قابلة للقياس

المشكلة ليست في أن يظهر المسؤول أمام الكاميرا، ولا في أن يقدم حصيلته أو يدافع عن تجربته.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطاب أكبر من الواقع.

فتارودانت مدينة عريقة، وساكنتها لا تنتظر فقط خطابات سياسية أو فيديوهات مصقولة، بقدر ما تنتظر تنمية حقيقية، ومرافق في مستوى تطلعاتها، ومدينة نظيفة ومنظمة، وحماية للملك العام، وتعميراً يحترم القانون، وحفاظاً على موروثها التاريخي والمائي.

المواطن يريد أن يرى المشاريع وهي تنجز، والوعود وهي تتحول إلى واقع، والقرارات وهي تنعكس بشكل ملموس على حياته اليومية.

ولهذا، فإن تقديم الحصيلة ينبغي أن يكون مناسبة لعرض الأرقام، والوثائق، والمشاريع المنجزة، ونسب التنفيذ، ومصادر التمويل، والآجال، وما تحقق وما لم يتحقق وأسباب ذلك، وليس فقط مناسبة لتبادل عبارات الشكر والتنويه.

العامل أيضاً أمام مرآة الرأي العام

وبما أن رئيس الجماعة اختار أن ينوه بعامل الإقليم، فإن ذلك يفتح بدوره نقاشاً أوسع حول المسؤولية الترابية.

فالعامل، باعتباره ممثل السلطة الإقليمية، معني بملفات متعددة تدخل ضمن اختصاصات الإدارة الترابية، وتتطلب التتبع والمراقبة والتنسيق والتدخل وفق ما يسمح به القانون.

ومن حق المواطن أن يسأل بدوره: ماذا تحقق في مجال التعمير؟ ماذا تم بشأن الملك العام؟ ماذا عن الملفات التي يثيرها المستشارون؟ ماذا عن المطالب المرتبطة بالإنعاش؟ وماذا عن باقي القضايا التي تتصدر النقاش المحلي؟

المسؤولية هنا لا تختزل في مؤسسة واحدة، والمحاسبة يجب أن تكون، بالقدر نفسه، على مستوى المسؤوليات والاختصاصات.

في النهاية.. المواطن هو الحكم

قد ينجح الفيديو في تقديم صورة جميلة، وقد تنجح الكلمات في صناعة انطباع إيجابي، لكن هناك اختباراً أكثر صعوبة: اختبار الشارع.

هناك المواطن الذي يعيش يومياً مشاكل المدينة، وهناك الأحياء والأسواق والمرافق والطرقات، وهناك ملفات تنتظر الحل منذ سنوات.

وهناك أيضاً صندوق الاقتراع، حيث لا تكفي الديكورات ولا الألوان ولا العبارات المنمقة لإقناع المواطن إذا لم يجد أثراً ملموساً للتدبير في حياته اليومية.

لذلك، من حق عبد اللطيف وهبي أن يقدم حصيلته، ومن حقه أن يشكر عامل الإقليم، ومن حق العامل بدوره أن يعرض ما تحقق خلال فترة مسؤوليته.

لكن من حق الرودانيين أيضاً أن يقولوا بوضوح:

لا نريد حصيلة تُسمع فقط.. نريد حصيلة تُرى وتُلمس.

فتارودانت لا تحتاج إلى من يصف لها واقعها، وإنما إلى من يساهم فعلياً في تغييره.

وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستقنع حصيلة الفيديو المواطن الروداني، أم أن للشارع وصندوق الاقتراع كلمة أخرى؟