المغرب وإسبانيا.. شراكة استراتيجية تتجاوز التجارة إلى الاقتصاد والأمن والهجرة

المغرب وإسبانيا.. شراكة استراتيجية تتجاوز التجارة إلى الاقتصاد والأمن والهجرة

 يشهد التعاون المغربي الإسباني خلال السنوات الأخيرة توسعاً لافتاً، لم يعد يقتصر على المبادلات التجارية، بل امتد إلى مجالات استراتيجية تشمل الصناعة واللوجستيك والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب، بما يعكس تنامي أهمية المغرب بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا.

وبحسب معطيات أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي»، بلغت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين نحو 22.757 مليار يورو خلال سنة 2025، في مؤشر على استمرار قوة العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد، رغم تسجيل تباطؤ نسبي في وتيرة النمو مقارنة بالسنوات السابقة.

المغرب.. الشريك التجاري الأول لإسبانيا

وعلى الرغم من تراجع الصادرات الإسبانية نحو المغرب بنسبة 4.1 في المائة خلال 2025، متأثرة أساساً بانخفاض مبيعات الوقود، حافظ المغرب على موقعه كأحد أهم الشركاء التجاريين لإسبانيا.

وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الصادرات الإسبانية نحو المغرب بنسبة 3.5 في المائة، لتبلغ نحو 6.4205 مليار يورو، فيما زادت الواردات الإسبانية من المملكة بنسبة 4.1 في المائة إلى حوالي 5.7955 مليار يورو.

وتعكس هذه الأرقام حجم التشابك الاقتصادي بين البلدين، في ظل حضور متزايد للشركات الإسبانية في قطاعات الصناعة والنسيج والخدمات، إلى جانب تنامي الاستثمارات وسلاسل التوريد المشتركة.

أزمة 2021 أعادت ترتيب العلاقات

وتكشف الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين الرباط ومدريد سنة 2021 عن الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها المغرب بالنسبة إلى إسبانيا.

فبعد توتر العلاقات إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، عملت مدريد لاحقاً على إعادة بناء الثقة مع الرباط، وصولاً إلى مرحلة جديدة من التعاون الثنائي.

وشكل إعلان حكومة بيدرو سانشيز دعم مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية نزاع الصحراء محطة مهمة في مسار تطبيع العلاقات.

كما ساهمت زيارة سانشيز إلى الرباط سنة 2022 ولقاؤه بالملك محمد السادس في إعطاء دفعة جديدة للعلاقات بين البلدين.

سبتة تكشف حجم الترابط الاقتصادي

وتبرز أهمية المغرب بالنسبة إلى إسبانيا أيضاً من خلال الوضع الاقتصادي لمدينة سبتة، التي ترتبط بشكل وثيق بالمبادلات مع السوق المغربية.

وقد انعكست الإجراءات المغربية المتعلقة بتشديد المراقبة والحد من التجارة غير الرسمية على الحركة التجارية والاقتصادية في المدينة، ما أظهر مدى الترابط بين اقتصاد سبتة ومحيطها المغربي.

وتكشف هذه التطورات أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين لا تتحدد فقط بحجم الصادرات والواردات الرسمية، وإنما تشمل أيضاً شبكات اقتصادية ولوجستية مرتبطة بالموقع الجغرافي للمغرب.

طنجة المتوسط.. ورقة لوجستية قوية

وفي الجانب اللوجستي، عزز ميناء طنجة المتوسط موقع المغرب كمركز رئيسي لحركة التجارة بين أوروبا وإفريقيا.

ويستفيد الميناء من موقع استراتيجي على مضيق جبل طارق ومن ارتباطه بشبكات النقل العالمية، الأمر الذي جعله حلقة مهمة في سلاسل الإمداد الدولية.

وفي المقابل، أدى توسع نشاط الميناء إلى إثارة مخاوف لدى بعض الموانئ الإسبانية، خصوصاً مع تصاعد المنافسة في مجالات إعادة الشحن والخدمات اللوجستية.

صناعة السيارات تعزز موقع المغرب

ولا تقتصر الدينامية الاقتصادية المغربية على الخدمات والموانئ، إذ أصبحت صناعة السيارات إحدى أبرز ركائز الاقتصاد التصديري للمملكة.

وساهم موقع المغرب الجغرافي، وتطور بنيته التحتية، وتوفر المناطق الصناعية، وحوافز الاستثمار، والقرب من الأسواق الأوروبية، في استقطاب شركات عالمية كبرى وشبكة واسعة من الموردين.

كما استفاد المغرب من اندماجه المتزايد في سلاسل الإنتاج الأوروبية، بالتوازي مع سعيه إلى تعزيز موقعه كبوابة اقتصادية نحو الأسواق الإفريقية.

تعاون أمني ومكافحة الإرهاب

وتتجاوز الشراكة المغربية الإسبانية المجال الاقتصادي لتشمل التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، حيث يشكل المغرب بالنسبة إلى مدريد شريكاً أساسياً في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ويرتكز التعاون الأمني بين البلدين على تبادل المعلومات والمعطيات الاستخباراتية، والتنسيق بين الأجهزة المختصة، إلى جانب التعاون في مواجهة الشبكات المتطرفة وتمويل الإرهاب.

وأكدت السلطات الإسبانية في مناسبات مختلفة أهمية التعاون مع المغرب في تفكيك خلايا وشبكات مرتبطة بالتطرف والإرهاب، وهو ما جعل التنسيق الأمني أحد أبرز ركائز العلاقات الثنائية.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بسبب الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من أوروبا، فضلاً عن موقع البلدين ضمن المجال المتوسطي وتقاطعهما مع التحديات الأمنية القادمة من منطقة الساحل.

شراكة تتجاوز منطق التبادل التجاري

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن العلاقات المغربية الإسبانية أصبحت تقوم على شبكة واسعة من المصالح المشتركة، تشمل التجارة والاستثمار والصناعة واللوجستيك والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب.

ففي الوقت الذي تستفيد فيه الشركات الأوروبية من الموقع الجغرافي للمغرب وبنيته التحتية وتكاليف الإنتاج التنافسية، تستفيد المملكة من هذه الشراكات لاستقطاب الاستثمارات وتطوير قدراتها الصناعية وتعزيز اندماجها في سلاسل الإنتاج العالمية.

وبذلك، يتجه المغرب تدريجياً إلى ترسيخ موقعه كمنصة تجمع بين الإنتاج والخدمات اللوجستية والأسواق الأوروبية والإفريقية، بينما تنظر إسبانيا إلى المملكة باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا يمكن اختزال أهميته في حجم المبادلات التجارية فقط.

وفي ظل استمرار هذا المسار، تبدو العلاقات بين الرباط ومدريد مرشحة لمزيد من التوسع، خصوصاً مع تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية بين البلدين.