تتزايد المخاوف في عدد من الدول الأوروبية من التداعيات الاقتصادية لموجات الحر والجفاف التي تضرب مناطق واسعة، وسط تحذيرات من تراجع إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية والحليب، بما قد ينعكس تدريجياً على أسعار المواد الغذائية في الأسواق.
وتشير تقديرات صادرة عن منظمات زراعية أوروبية إلى خسائر محتملة بنحو 35 في المائة في إنتاج الحبوب وحوالي 30 في المائة في الخضر، بينما قد يتراجع إنتاج الحليب بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة في بعض المناطق، وفق ما نقله نائب رئيس اتحاد المزارعين البرتغاليين، بيدرو بيمينتا.
ارتفاع أسعار الحبوب يثير القلق
وبدأت تداعيات الظروف المناخية الصعبة تظهر في مؤشرات الأسواق الدولية، إذ ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لأسعار الحبوب بنسبة 3.4 في المائة خلال يوليوز.
كما سجلت أسعار القمح ارتفاعاً بنسبة 5.8 في المائة، مقابل زيادة بلغت 3.6 في المائة بالنسبة إلى الذرة، في مؤشرات تعزز المخاوف بشأن استمرار الضغوط على أسواق الغذاء إذا تواصلت الظروف المناخية القاسية.
ويرى بيمينتا أن القطاع الزراعي البرتغالي يمتلك قدرة نسبية على مواجهة درجات الحرارة المرتفعة، بفضل الخبرة المتراكمة في استعمال أنظمة الري والتبريد، مقارنة بعدد من المناطق في وسط وشمال أوروبا.
ودعا في المقابل إلى تعزيز الاستثمارات الأوروبية في تدبير الموارد المائية وتحديث الاستغلاليات الزراعية، بهدف الحد من آثار التغيرات المناخية والحفاظ على الأمن الغذائي.
فرنسا أمام تراجع حاد في محصول الذرة
وفي فرنسا، تتوقع وزارة الزراعة تراجع إنتاج الذرة بحوالي 35 في المائة مقارنة بسنة 2025، ليبلغ المحصول نحو تسعة ملايين طن.
وتذهب بعض تقديرات المحللين إلى احتمال تسجيل أسوأ محصول للذرة في البلاد منذ عام 1976، في ظل استمرار تأثير الحرارة ونقص التساقطات على الأراضي الزراعية.
أما إيطاليا، فتواجه بدورها وضعاً مقلقاً، إذ تقدر منظمة «كولديريتي» أن أكثر من 60 في المائة من الأراضي الزراعية تأثرت بالجفاف، بينما تجاوزت الخسائر الناتجة عن موجات الحر والجفاف والبرد وحرائق الغابات ثلاثة مليارات يورو.
تأثيرات متفاوتة من بلد إلى آخر
ولا تتوزع تداعيات الظواهر المناخية بالحدة نفسها على مختلف أنحاء القارة.
ففي هولندا، تواجه زراعة البطاطس ضغوطاً متزايدة بسبب نقص المياه والقيود المفروضة على عمليات الري، بينما أثرت درجات الحرارة المرتفعة على إنتاج الذرة في البوسنة والهرسك، وعلى قطاعات الزراعة وتربية المواشي في المجر.
وفي المقابل، تبدو المؤشرات أكثر إيجابية في بولندا، بعدما ساهمت أمطار شهر يوليوز في تحسين ظروف زراعة الذرة، وسط توقعات بأن يقترب الإنتاج من تسعة ملايين طن.
وقد يسمح ذلك لبولندا بأن تصبح أكبر منتج للذرة داخل الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2026، في وقت تواجه فيه دول أخرى ظروفاً أكثر صعوبة.
المناخ يضع الأمن الغذائي الأوروبي أمام اختبار جديد
وتكشف هذه المعطيات عن حجم التحديات التي أصبحت تواجه الزراعة الأوروبية في ظل تزايد موجات الحر والجفاف وتواتر الظواهر المناخية المتطرفة.
ولا تقتصر آثار هذه الظروف على الفلاحين وحدهم، إذ يمكن أن تنتقل تداعيات تراجع الإنتاج إلى سلاسل التوريد وأسعار المواد الغذائية، خصوصاً إذا تزامن انخفاض المحاصيل مع استمرار الطلب المرتفع.
ويضع ذلك الحكومات الأوروبية أمام الحاجة إلى تسريع الاستثمار في تدبير المياه، والري الذكي، وتطوير أصناف زراعية أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف، إلى جانب تعزيز آليات حماية الإنتاج الزراعي.
