تقرير إسباني يثير جدلاً حول «الرقم الجزائري» وتنسيق محاولات العبور

تقرير إسباني يثير جدلاً حول «الرقم الجزائري» وتنسيق محاولات العبور

 تثير قراءة تحليلية لتقرير استخباراتي إسباني حول أحداث العبور الجماعي باتجاه سبتة ومليلية المحتلتين تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق الذي رافق التعبئة الرقمية، خصوصا بعدما أشار التقرير إلى غياب قيادة هرمية، في مقابل حديثه عن مسؤول محدد كان يدير مجموعة على تطبيق «واتساب» عبر رقم هاتف جزائري.

وأوضحت مذكرة تحليلية أعدها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة بالجنوب العالمي حسن بنطالب، ونشرها مركز «MigraPress»، أن المعطيات الواردة في التقرير الإسباني تكشف عن مفارقة بين نفي وجود قيادة هرمية وبين توثيق أدوار ذات طبيعة تنسيقية واضحة.

وبحسب المذكرة، كان صاحب الرقم المذكور يوجه المشاركين بشأن توقيت التحرك ونقاط التجمع وتقسيم الأشخاص إلى مجموعات صغيرة، إضافة إلى تقديم توجيهات خلال التحرك وإعادة توجيه المشاركين نحو مليلية، وهي مهام يرى بنطالب أنها تقترب عمليا من ممارسة قيادة عملياتية، حتى في غياب هيكل تنظيمي رسمي.

ويعتبر الباحث أن محاولة التقرير الفصل بين مفهوم «القيادة» ومفهوم «التراتبية الرسمية» لا تبدو مقنعة تماما من الناحية التحليلية، إذ إن تحديد مواعيد التحرك واختيار نقاط التجمع وتوجيه المشاركين وتغيير المسارات وفق تطورات الميدان، كلها وظائف تنطوي على قدر من التنسيق المركزي.

وفي المقابل، يرى بنطالب أن أهمية التقرير تكمن في كشفه عن تحول طبيعة التنظيم المرتبط بالتعبئات الهجرية، إذ لم تعد الحاجة إلى هياكل ثابتة وموارد مؤسساتية كبيرة شرطا لتنسيق تحركات جماعية، بعدما أتاحت تطبيقات التواصل المجاني إمكانات واسعة للتعبئة والتوجيه الفوري.

ويشكل عنوان «الرقم الجزائري الغامض»، وفق المذكرة، إحدى أبرز النقاط التي تستحق التوقف، خصوصا أن التقرير الإسباني نفسه يؤكد أن استعمال رقم يحمل مقدمة جزائرية لا يثبت وجود أي تدخل رسمي من الدولة الجزائرية، بالنظر إلى سهولة الحصول على أرقام افتراضية أو استعمال أرقام من دول مختلفة.

غير أن بنطالب يرى أن إبراز أصل الرقم في عنوان القسم المركزي من التقرير يمكن أن يمنحه حمولة سياسية تتجاوز قيمته التقنية، خصوصا في ظل السياق الجيوسياسي المعقد للعلاقات بين إسبانيا والمغرب والجزائر، وما يرتبط بها من ملفات الهجرة والطاقة والصحراء المغربية.

وتشير المذكرة إلى أن التحفظ الذي أورده التقرير بشأن عدم كفاية الرقم لإثبات أي صلة رسمية بالجزائر يعد احترازاً منهجياً ضرورياً، إلا أن وضع هذه المعلومة في الواجهة قد يدفع القارئ إلى بناء روابط سياسية لا تستند بالضرورة إلى أدلة مباشرة.

كما انتقد التحليل الطريقة التي تناول بها التقرير ما سماه «الأركان النفسية الأربعة للحملة الرقمية»، وهي الفرصة والسهولة والاستعجال والتحقق الاجتماعي، معتبرا أن هذا التصور يركز على تقنيات التأثير الرقمي على حساب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الأشخاص إلى محاولة عبور الحدود.

ويرى بنطالب أن تقديم المشاركين في محاولات العبور باعتبارهم ضحايا لتلاعب رقمي قد يؤدي إلى تقليص قدرتهم على اتخاذ القرار، وتحويلهم من أشخاص يمتلكون دوافع وظروفا اجتماعية واقتصادية محددة إلى مجرد ضحايا لتأثير الخوارزميات وشبكات التواصل.

وخلصت المذكرة إلى أن التحليلات الأمنية للتعبئات الهجرية الرقمية تميل إلى إبراز «التهديد» وآليات تنظيمه، بينما تتراجع في المقابل الجوانب الحقوقية والإنسانية المرتبطة بالأشخاص المشاركين في هذه التحركات.

وبحسب بنطالب، فإن فهم ظاهرة العبور الجماعي يقتضي عدم اختزالها في دور منسقي مجموعات «واتساب» أو الخوارزميات الرقمية، لأن خلف هذه التحركات عوامل بنيوية مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية وغياب المسارات القانونية للهجرة، وهي عوامل لا يمكن معالجتها فقط بالوسائل الأمنية أو عمليات المنع والإعادة.