الأحرار والبام.. حين يتحول الحليف الحكومي إلى منافس شرس قبل الانتخابات

الأحرار والبام.. حين يتحول الحليف الحكومي إلى منافس شرس قبل الانتخابات

 لم يعد يفصل المغرب عن موعد الانتخابات التشريعية المقبلة سوى أسابيع قليلة، غير أن المشهد السياسي داخل الأغلبية الحكومية بدأ يأخذ منحى تصعيديا لافتا، بعدما تحولت العلاقة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة من شراكة في تدبير الحكومة إلى منافسة انتخابية مفتوحة، سرعان ما تطورت إلى سجالات واتهامات متبادلة.

فعلى امتداد الولاية الحكومية الحالية، حافظ الحزبان، إلى جانب حزب الاستقلال، على تماسك الأغلبية رغم فترات التوتر والخلاف. غير أن اقتراب موعد الاقتراع أعاد ترتيب الأولويات، ليجد حليف الأمس نفسه أمام منافس مباشر على المقاعد والنفوذ والمواقع السياسية.

ويتمسك حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية السابقة، بالحفاظ على موقعه المتقدم، بينما يسعى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حل ثانيا، إلى توسيع حضوره وتعزيز موقعه داخل الخريطة السياسية المقبلة. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الطموح المتقابل إلى ارتفاع منسوب التنافس كلما اقترب موعد الانتخابات.

الترحال السياسي يشعل المواجهة

كان ملف الترحال السياسي أحد أبرز العوامل التي غذت الخلاف بين الطرفين، بعدما اتهم حزب التجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة باستمالة عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومرشحيه.

في المقابل، اعتبر عدد من الذين غيروا انتماءاتهم السياسية أن الأمر يتعلق باختيارات شخصية، وأن انتقالهم من حزب إلى آخر يدخل في إطار حقهم في اختيار الإطار السياسي الذي يرونه مناسبا لمسارهم.

لكن الترحال الانتخابي لا يتوقف عند تغيير الانتماء الحزبي فقط، إذ يحمل المرشح معه عادة رصيدا من العلاقات والمعارف والتجربة الانتخابية، وهو ما يجعل انتقال شخصية سياسية وازنة قادرا على إعادة تشكيل موازين القوى داخل عدد من الدوائر.

وبذلك، يتحول التنافس الحزبي إلى معركة لاستقطاب الأسماء القادرة على جلب الأصوات، في وقت يفترض أن تكون فيه البرامج والاختيارات السياسية في صدارة المنافسة.

من التحالف إلى المنافسة

إذا كان التحالف الحكومي يفرض على مكوناته تنسيق المواقف وتقديم صورة عن الانسجام في تدبير الشأن العام، فإن الانتخابات تعيد كل حزب إلى حساباته الخاصة.

وهنا يبدو المشهد شبيها بانتقال الشريكين من مرحلة التعاون إلى مرحلة البحث عن أفضل موقع ممكن. فالحليف الحكومي يصبح منافسا في الدوائر الانتخابية، وكل حزب يسعى إلى تعظيم حصته من الأصوات والمقاعد، تمهيدا لتحديد موقعه في الخريطة السياسية المقبلة.

وقد بلغ التوتر مستويات إضافية مع انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو التطور الذي اعتُبر من بين أبرز التحولات السياسية قبيل الانتخابات، خصوصا بالنظر إلى الوزن المؤسساتي والرمزي الذي يحمله اسم لقجع.

وزارة المالية تدخل على خط الصراع

ولم يتوقف السجال عند حدود الترشح والاستقطاب، بل امتد إلى الحديث المبكر عن الحقائب الوزارية، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد والمالية، التي تعد من أكثر القطاعات الحكومية حساسية وتأثيرا في رسم السياسات العمومية.

وأثار التسجيل المنسوب إلى راشد الطالبي العلمي، والذي تداولته منصات التواصل الاجتماعي، نقاشا واسعا بعدما تضمن حديثا عن مستقبل حقيبة المالية، في وقت لم تُجرَ الانتخابات بعد، ولم تتشكل أي أغلبية حكومية جديدة.

وهنا تبرز مفارقة سياسية واضحة: فالترتيب الطبيعي يقتضي أولا الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ثم معرفة نتائج الانتخابات، وبعدها تبدأ مشاورات تشكيل الأغلبية والحكومة، قبل أن يتم الاتفاق على توزيع المسؤوليات والحقائب.

أما الدخول مبكرا في نقاش حول أسماء الوزراء والحقائب، فيوحي بأن بعض الحسابات السياسية بدأت تتجاوز مرحلة الانتخابات نفسها، وكأن نتائج الاقتراع أصبحت أمرا محسوما قبل أن يقول الناخب كلمته.

الناخب وحده يحسم المعادلة

المشكلة الأساسية في هذا النوع من الحسابات السياسية المبكرة أن الانتخابات تظل مفتوحة على المفاجآت. فالأحزاب قد تبني استراتيجياتها على توقعات معينة، لكن الناخب يستطيع تغيير كل المعادلات يوم الاقتراع.

ولا يمكن لأي حزب، مهما كان موقعه الحالي أو حجم حضوره الحكومي، أن يضمن مسبقا المرتبة التي سيحتلها أو عدد المقاعد التي سيحصل عليها، فضلا عن قدرته على ضمان المشاركة في الحكومة المقبلة.

لذلك فإن الصراع الحالي بين الأحرار والبام لا يعني بالضرورة نهاية التحالف بينهما، كما أن الخلاف الانتخابي لا يقود حتما إلى قطيعة سياسية دائمة. فالتحالفات في الحياة السياسية تخضع في كثير من الأحيان لحسابات النتائج وموازين القوى والمصالح المشتركة.

وفي النهاية، تكشف التطورات الحالية أن السياسة لا تعرف صداقات أو خصومات دائمة، وإنما تعرف تحالفات متغيرة تفرضها موازين القوى. وبينما كان الأحرار والبام حليفين داخل الحكومة، أصبحا اليوم منافسين في الانتخابات، وقد يجدان نفسيهما غدا مجددا أمام طاولة واحدة إذا فرضت نتائج الاقتراع ذلك.

ويبقى الفاصل الحقيقي بين كل هذه الحسابات هو صوت الناخب، الذي لم يقل كلمته بعد، والذي يستطيع وحده أن يعيد ترتيب المشهد السياسي ويحدد من يتقدم ومن يتراجع ومن يملك مفاتيح تشكيل الأغلبية المقبلة.