يُنسب إلى الرئيس المكسيكي الأسبق بورفيريو دياز قوله: «مسكينة هي المكسيك، بعيدة جدا عن الله وقريبة جدا من الولايات المتحدة». ويمكن استحضار جزء من هذه الصورة عند قراءة علاقة المغرب بأوروبا؛ فالقرب الجغرافي يجعل الضفة الشمالية حاضرة باستمرار في مخيلة الشباب، بما تحمله من إغراءات وصور عن فرص العمل والحياة الأفضل.
غير أن المقارنة بين المغرب وأوروبا كثيرا ما تتجاهل الفارق التاريخي وحجم التراكمات الاقتصادية والمؤسساتية التي أنجزتها دول القارة الأوروبية خلال عقود طويلة. وفي المقابل، لا يجوز استعمال هذا الفارق لتجاهل الصعوبات الاجتماعية التي يواجهها شباب مغاربة يعيشون البطالة والهشاشة وضعف فرص الإدماج.
ومن هذا المنطلق، ما تزال أحداث العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة محاطة بأسئلة عديدة، فيما تتوزع التفسيرات بين قراءات قانونية وأمنية وسياسية واجتماعية، ينطلق بعضها من مواقف معدة سلفا أكثر مما يعتمد على تحليل شامل للوقائع.
أزمة تتحول إلى ورقة انتخابية
وجد اليمين الأوروبي، بشقيه التقليدي والمتطرف، في أحداث سبتة فرصة لتوجيه انتقادات حادة إلى حكومة بيدرو سانشيز، خصوصا من طرف شخصيات مثل جورجيا ميلوني وجوردان بارديلا وسانتياغو أباسكال وخيرت فيلدرز وأليس فايدل ونايجل فاراج.
ولا يعني هذا أن هذه التيارات تسببت في موجة العبور، لكن مسارعتها إلى استثمارها سياسيا ساهمت في تعقيد النقاش، وتحويل الهجرة إلى أداة انتخابية تستعمل في تصفية الحسابات بين الحكومات والأحزاب الأوروبية.
ويمتد هذا التوظيف إلى الولايات المتحدة، حيث يشكل ملف الهجرة قضية مركزية في الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين، خصوصا في الفترات السابقة للانتخابات النصفية.
كما ساهمت بعض العناوين الإعلامية الأوروبية في تقديم صورة مضللة عن الموقع الجغرافي للحدث، من خلال الحديث عن «وصول عشرات الآلاف إلى أوروبا»، مع أن سبتة توجد جغرافيا في شمال إفريقيا ويعتبرها المغرب مدينة محتلة.
حكم قضائي وتأويلات مضللة
في صلب التفسيرات المتداولة، يبرز حكم صادر عن محكمة النقض الإسبانية بتاريخ 8 يوليوز، يتعلق بإجراءات إعادة الأشخاص الذين يصلون إلى الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية عن طريق البحر.
ويذهب التحليل إلى أن تأويلات جرى نشرها على مواقع التواصل قدمت الحكم باعتباره ضمانة تحول دون الترحيل الفوري، ما جعله مصدر إغراء للراغبين في الهجرة.
واستغلت شبكات الاتجار بالبشر، وفق هذه القراءة، الانتشار الواسع لهذه الرسائل، وكثفت نشاطها خلال الأيام اللاحقة، إلى أن اندفعت أعداد كبيرة لاختبار ما جرى تداوله.
ويطرح اختيار سبتة بدل مليلية سؤالا مشروعا، يمكن تفسيره جزئيا بالحركة الصيفية الاستثنائية التي تعرفها مدن الفنيدق ومرتيل وتطوان، بالتزامن مع العطلة الصيفية والاحتفالات الرسمية بعيد العرش.
وساهم هذا الاكتظاظ في صعوبة التمييز بين الزوار العاديين والراغبين في العبور، خصوصا أن جزءا مهما من المشاركين في الساعات الأولى كان من أطفال وشباب المناطق المجاورة.
من فضاء مفتوح إلى حدود مغلقة
لعقود، كان دخول سكان المناطق القريبة إلى سبتة ومليلية أكثر سهولة، إذ كان يكفي في فترات سابقة الإدلاء ببطاقة وطنية تحمل عنوانا محليا.
غير أن إنهاء أنشطة التهريب المعيشي والتجاري من الجانب المغربي ترافق مع تشديد إسبانيا شروط الدخول، وفرض جواز السفر والتأشيرة، لتتحول المدينتان من فضاء قريب ومفتوح نسبيا أمام سكان المنطقة إلى مجال مغلق.
وبحسب هذه القراءة، جاء التحول في سياق صعود ميناء طنجة المتوسط وتطور ميناء الناظور، ما ساهم في تغيير التوازنات الاقتصادية المحيطة بالمدينتين المحتلتين وتقليص أدوارهما السابقة.
واللافت أن سبتة، التي لم تكن تغري الأجيال السابقة بالإقامة فيها رغم سهولة دخولها، تحولت بالنسبة إلى جزء من الجيل الجديد إلى بوابة مفترضة نحو أوروبا.
وكشفت شهادات عائدين عن فجوة كبيرة بين الصور المتداولة عبر المنصات الرقمية والواقع الذي وجدوه داخل المدينة، إذ عبر بعضهم عن صدمة وخيبة أمل بعد اكتشافهم أن المحتوى الرقمي قدم لهم صورة غير واقعية.
بين النقد والعدمية
في الداخل، تبنت تيارات سياسية ومدنية قراءة تحمل السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المسؤولية الأساسية عن موجة العبور.
ويرى منتقدو هذه التيارات أنها تنطلق أحيانا من رفض مسبق لكل ما تحقق، بينما تؤكد بدورها أن الاحتجاج على البطالة والهشاشة لا يعني إنكار المنجزات، بل المطالبة بتوزيع أكثر عدلا لثمار التنمية.
وقد أقرت مؤسسات الدولة نفسها بوجود أعطاب، من بينها ضعف انعكاس النمو الاقتصادي على التشغيل واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، وهي قضايا سبق أن حضرت في خطب الملك محمد السادس من خلال الحديث عن «مغرب السرعتين».
وفي الوقت نفسه، حقق المغرب تقدما لافتا في قطاعات صناعة السيارات والطيران والسياحة والاستثمار الإفريقي، غير أن هذه الدينامية لا تلغي التأخر التاريخي مقارنة بأوروبا، ولا تعني أن طريق التحول الاقتصادي سيكون خاليا من الأزمات.
1.5 مليون شاب خارج الدراسة والعمل
ويظل وضع الشباب أحد أبرز مفاتيح فهم الأحداث. فقد أفاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأي أصدره سنة 2023، بأن عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة والموجودين خارج التعليم والتكوين والعمل بلغ 1.5 مليون شخص، استنادا إلى بيانات سنة 2022.
واعتبر المجلس أن هذا الوضع يكشف محدودية السياسات الموجهة إلى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، خصوصا الفئات الهشة.
وتتداخل مع ذلك عوامل أخرى، مثل تراجع التأطير الأسري، وضعف الإحساس بالمسؤولية، والصور المضللة للحياة السهلة التي تنشرها مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي مفارقة لافتة، تعاني قطاعات مغربية مثل البناء والأشغال العمومية والفلاحة من نقص اليد العاملة، بينما يستمر الحديث عن البطالة ورغبة الشباب في الهجرة، ما يكشف اختلالا في التكوين والأجور وظروف العمل والربط بين طالبي الشغل وحاجيات السوق.
وتؤكد أحداث سبتة أن المغرب لا يحتاج إلى خطاب يعلن فشل كل شيء، ولا إلى خطاب يقلل من عمق الأزمة، بل إلى قراءة متوازنة تعترف بالمنجزات والأعطاب معا، وتضع إدماج الشباب وتوفير العمل والكرامة في قلب السياسات العمومية.
