من «أزمة إنسانية» إلى «غزو».. كيف قرأت الصحافة الدولية أحداث سبتة؟

من «أزمة إنسانية» إلى «غزو».. كيف قرأت الصحافة الدولية أحداث سبتة؟

 دفعت مشاهد العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة كبريات الصحف ووكالات الأنباء الدولية إلى التعامل مع التطورات باعتبارها أزمة عابرة للحدود، بعدما تداخلت فيها الخسائر البشرية والارتباك الميداني والانعكاسات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، قبل أن تمتد صورها إلى السجال الأمريكي بشأن الهجرة.

واختلفت معالجة وسائل الإعلام للحدث تبعا لتوجهاتها التحريرية؛ فبينما ركزت بعض المنابر على المأساة الإنسانية والدوافع الاجتماعية للمهاجرين، اتجهت صحف محافظة إلى تقديم المشاهد دليلا على فشل السياسات المتساهلة، مستعملة لغة تحذيرية تربط الهجرة بأمن الحدود والاستقرار السياسي.

«أسوشيتد برس» تبرز البعد الإنساني

قدمت وكالة «أسوشيتد برس» الأحداث بوصفها أزمة إنسانية واسعة، مسلطة الضوء على عودة أعداد كبيرة من الوافدين إلى المغرب بعد ساعات من دخولهم سبتة، إلى جانب الخسائر البشرية التي سجلت خلال عمليات العبور والتدافع قرب الحاجز البحري بمنطقة تاراخال.

وبحسب الأرقام التي أوردتها الوكالة نقلا عن تقديرات السلطات المحلية، بلغ عدد الوافدين نحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل قرابة 70 في المائة من سكان المدينة، ما تسبب في ضغط كبير على بنياتها المحلية ودفع مدريد إلى إرسال قوات عسكرية وتعزيزات أمنية.

واهتمت الوكالة بشهادات شبان مغاربة قالوا إنهم حاولوا العبور بحثا عن فرص عمل أفضل، قبل أن يختار بعضهم العودة بعدما وجدوا مدينة عاجزة عن توفير الغذاء والمأوى للأعداد الوافدة.

ونقلت، في هذا السياق، شهادة شاب من تطوان أوضح أن ضعف الأجور وطول ساعات العمل كانا وراء قراره، لكنه تراجع بعدما اصطدمت تطلعاته بواقع مختلف داخل سبتة. وقدمت هذه الشهادة تفسيرا اجتماعيا واقتصاديا للحدث، بعيدا عن اختزاله في جانبه الأمني.

«واشنطن بوست» تقرأ التداعيات السياسية

اختارت صحيفة «واشنطن بوست» مقاربة سياسية، معتبرة أن التدفق المفاجئ منح خصوم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز فرصة لمهاجمة سياساته المتعلقة بالهجرة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الصور المنتشرة عبر شبكات التواصل تحولت إلى مادة سياسية استثمرها اليمين الإسباني والأوروبي، قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة، حيث استعان بها الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون في البيت الأبيض لتجديد خطابهم الرافض للهجرة غير النظامية.

وربطت الصحيفة الأزمة بالسياق الداخلي الصعب الذي تمر منه حكومة سانشيز، وبالانتقادات التي أثارتها سياسة تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين المقيمين بصورة غير قانونية. وفي المقابل، نفت الحكومة الإسبانية وجود صلة مباشرة بين التسوية وموجة العبور، وأرجعت ما وقع إلى تفسير مغلوط لحكم أصدرته المحكمة العليا.

كما توقفت الصحيفة عند الارتدادات الأوروبية، مشيرة إلى تشديد فرنسا مراقبتها على الحدود مع إسبانيا واتخاذ إيطاليا إجراءات مؤقتة بشأن حركة المسافرين، فضلا عن تصاعد خطاب أحزاب اليمين في عدة بلدان أوروبية.

«التايمز» تعود إلى جغرافية الصراع

ركزت صحيفة «التايمز» البريطانية على الوضع الجغرافي والسياسي لسبتة، باعتبارها إحدى نقطتي التماس البري بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية إلى جانب مليلية المحتلة.

واستعرضت الصحيفة تاريخ السيطرة الإسبانية على المدينة، وموقف المغرب الذي يعدها من بقايا الاستعمار، مقابل تمسك مدريد باعتبارها جزءا من الأراضي الإسبانية.

وربطت «التايمز» موجة العبور بالحكم القضائي المتعلق بالإرجاع الفوري للمهاجرين، معتبرة أن القيود القانونية الجديدة ربما ساهمت في نشر اعتقاد بإمكانية البقاء داخل إسبانيا بمجرد الوصول إلى سبتة سباحة.

كما استحضرت عوامل أخرى، من بينها أحوال الطقس وشبكات التهريب والرسائل المتداولة عبر الهواتف، دون استبعاد فرضية وجود خلفيات سياسية، قياسا على أزمة سنة 2021 بين الرباط ومدريد.

غير أن هذه الفرضية ظلت دون أدلة حاسمة تثبت تنظيم السلطات المغربية لعمليات العبور. وفي المقابل، نقلت «أسوشيتد برس» عن سفيرة المغرب في مدريد أن الأحداث وقعت خارج إرادة الرباط، وأن المملكة تدعم الهجرة القانونية والمنظمة والآمنة.

«وول ستريت جورنال» تعتمد خطابا محافظا

ذهبت افتتاحية «وول ستريت جورنال» إلى استعمال لغة أكثر حدة، إذ وصفت المشهد بعبارة «المغاربة يغزون إسبانيا»، وربطت الأزمة بسياسات مدريد وبقرار المحكمة العليا المتعلق بإعادة المهاجرين.

وقارنت الصحيفة ما وقع بأزمة الحدود الأمريكية خلال عهد الرئيس جو بايدن، معتبرة أن الرسائل السياسية التي توحي بإمكانية البقاء قد تشجع مزيدا من الأشخاص على العبور.

ويعكس هذا التناول الخط المحافظ للصحيفة، التي قدمت الوافدين أساسا باعتبارهم مهاجرين اقتصاديين، وركزت على ضبط الحدود وحماية التأييد الشعبي للهجرة القانونية، متوقعة أن تستفيد الأحزاب اليمينية المناهضة للهجرة من هذه المشاهد.

اختلاف في اللغة وبناء صورة المهاجر

كشف تحليل التغطيات عن اختلاف واضح في المصطلحات؛ فالوكالات الإخبارية استعملت عبارات من قبيل «مهاجرين» و«أزمة إنسانية» و«فوضى»، بينما لجأت بعض الصحف المحافظة إلى مفردات مثل «الغزو» و«الاجتياح».

ولا يقتصر هذا الاختلاف على اللغة، بل يعكس طريقتين متعارضتين في تقديم الحدث؛ الأولى ترى المهاجر ضحية للبطالة والظروف الاجتماعية وشبكات التهريب، بينما تنظر إليه الثانية باعتباره جزءا من تدفق يهدد الحدود والنظام العام.

وتباينت التغطيات أيضا بشأن المسؤولية، بين من حمّل حكومة سانشيز تبعات سياساتها، ومن أرجع الأزمة إلى الفراغ القانوني ونقص الموارد الأمنية في سبتة، مقابل قراءات تحدثت عن ضعف ضبط الحدود المغربية أو احتمال توظيف الهجرة للضغط السياسي، وهي فرضيات لم تثبتها معطيات حاسمة.

taroudant press 24 - جريدة تارودانت بريس 24 الإخبارية

taroudantpress.com
https://www.taroudantpress.com

taroudant press 24 - جريدة تارودانت بريس 24 الإخبارية · اخبار تارودانت · أكادير والجهة · أخبار جهوية. سياسة. حوادث. قضايا المجتمع. أخبار الرياضة. شؤون تربوية ..