#
تنتظر الحكومة الجديدة، التي ستفرزها الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر المقبل، مجموعة من الملفات الثقيلة والتحديات المتشابكة، تتوزع بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، في مرحلة تتزايد خلالها انتظارات المواطنين وتتسع فيها الضغوط المرتبطة بالمالية العمومية.
وستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام اختبار حقيقي يتطلب تحقيق توازن صعب بين معالجة الملفات اليومية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المغاربة، والوفاء في الوقت نفسه بالتزامات كبرى ذات بعد دولي، وفي مقدمتها الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
وتفرض هذه الظرفية على الحكومة المقبلة التعامل مع تحديات متعددة، من بينها تباطؤ النمو في عدد من القطاعات الحيوية، وارتفاع كلفة المديونية، واستمرار البطالة، إلى جانب الصعوبات التي تواجهها المقاولات، خصوصا الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
## البطالة والتشغيل في صدارة الأولويات
يأتي ملف التشغيل في مقدمة القضايا الاجتماعية التي ستواجه الحكومة الجديدة، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، التي بلغت، وفق المعطيات الواردة، أكثر من 13 في المائة، مع ارتفاع عدد العاطلين إلى نحو مليون و623 ألف شخص.
وتزداد تعقيدات سوق الشغل مع تراجع معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الشباب خارج منظومة الشغل والدراسة والتكوين، وهو ما يفرض مراجعة السياسات العمومية الموجهة إلى التشغيل والإدماج الاقتصادي.
كما يشكل وضع المقاولات الصغيرة والمتوسطة تحديا إضافيا، في ظل الحديث عن ارتفاع حالات التعثر والإفلاس، الأمر الذي يضع الحكومة المقبلة أمام ضرورة تطوير آليات الدعم وتحسين مناخ الأعمال وتسهيل الولوج إلى التمويل.
وسيكون الرهان الأساسي هو الانتقال من الحلول الظرفية إلى سياسات أكثر استدامة، قادرة على خلق فرص شغل حقيقية وتحفيز الاستثمار والإنتاج.
## إصلاح التقاعد والقوانين الاجتماعية
ومن بين الملفات المؤجلة التي تنتظر الحسم، يبرز إصلاح أنظمة التقاعد، في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الصناديق الوطنية والحاجة إلى إيجاد حلول تضمن استدامتها على المدى الطويل.
كما تظل تعديلات مدونة الأسرة والمراجعة المرتقبة للقانون الجنائي ضمن الأوراش التشريعية والاجتماعية التي ستتطلب نقاشا واسعا وتوافقات سياسية ومجتمعية.
وتحتاج هذه الملفات إلى مقاربة تجمع بين حماية الحقوق والاستجابة للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، مع الحفاظ على التوازن والاستقرار القانوني والمؤسساتي.
## قضية الصحراء وتعزيز المكتسبات الدبلوماسية
على المستوى السياسي والدبلوماسي، ستظل قضية الوحدة الترابية في صدارة أولويات الحكومة المقبلة، في سياق استمرار المغرب في تعزيز مكتسباته المرتبطة بمغربية الصحراء.
وينتظر أن تواصل حكومة الولاية التشريعية المقبلة العمل على دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، إلى جانب تعزيز التنمية والاستثمار بالأقاليم الجنوبية.
كما تبرز أهمية المشاريع المهيكلة، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، في تعزيز موقع الأقاليم الجنوبية وتحويلها إلى قطب اقتصادي ولوجستي يربط المغرب بعمقه الإفريقي.
وتفرض المرحلة أيضا مواصلة تعزيز الجهوية المتقدمة، وتقوية المؤسسات المحلية، وتحسين آليات تدبير الشأن الترابي، بما يواكب التحولات السياسية والتنموية التي تعرفها المملكة.
## المديونية والضغط على المالية العمومية
وتشكل كلفة الدين العمومي أحد أبرز التحديات الاقتصادية المنتظرة، في ظل ارتفاع حجم المديونية والحاجيات التمويلية للخزينة.
وسيكون على الحكومة المقبلة البحث عن توازن بين تمويل المشاريع والاستثمارات العمومية والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، مع العمل على الحد من ارتفاع كلفة خدمة الدين.
كما يبرز إصلاح السياسة الجبائية كأحد الأوراش الأساسية، من خلال تحسين التحصيل الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي بطريقة أكثر عدالة، مع تخفيف الضغط عن المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الاستثمار.
ويبقى الهدف الأساسي هو تعزيز السيادة المالية والقدرة على تمويل الأولويات الوطنية، مع توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة للثروة وفرص الشغل.
## حكومة المونديال أمام امتحان البنيات التحتية
وسيكون تنظيم كأس العالم 2030 أحد أكبر الاختبارات العملية أمام الحكومة الجديدة، بالنظر إلى حجم المشاريع المرتبطة بتأهيل الملاعب والمطارات وشبكات النقل والطرق والبنيات التحتية.
غير أن الرهان لا يتعلق فقط بإنجاح الحدث الرياضي العالمي، بل بضمان أن تتحول الاستثمارات المرتبطة به إلى مشاريع ذات أثر دائم على الاقتصاد والتنمية المحلية.
وفي المقابل، ستبقى الحكومة مطالبة بمواصلة تمويل القطاعات الاجتماعية الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة والماء، وعدم السماح للمشاريع الكبرى بأن تؤثر على الأولويات اليومية للمواطنين.
## التنمية الترابية وتقليص الفوارق
وتشكل برامج التنمية الترابية المندمجة بدورها ورشا مركزيا خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الحاجة إلى تقليص الفوارق بين الجهات والمناطق وتحسين توزيع المشاريع والاستثمارات.
ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تنسيقا أكبر بين الحكومة والإدارات الترابية والجهات والجماعات، مع اعتماد حكامة فعالة تضمن سرعة الإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المحصلة، تدخل الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر مرحلة مليئة بالرهانات، بين معالجة البطالة والملفات الاجتماعية، والحفاظ على التوازنات الاقتصادية، وتعزيز قضية الوحدة الترابية، والاستعداد لمونديال 2030.
ويبقى نجاح الحكومة المقبلة رهينا بقدرتها على اتخاذ قرارات عملية وجريئة، واستعادة ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، وتحويل الوعود والبرامج إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
