في الوقت الذي تعيش فيه مدينة مكناس على إيقاع فعاليات مهرجان عيساوة، الذي يستقطب آلاف الزوار ويحتفي بالموروث الثقافي المغربي، يفرض الواقع اليومي نفسه بقوة على سكان المدينة، وسط تواصل أزمة التزود بالماء الصالح للشرب، وتعطل خدمات النقل الحضري، واستمرار ملف عاملات شركة "سيكوميك" دون تسوية، في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش حول ترتيب الأولويات والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
أزمة الماء.. معاناة يومية تنتظر الحل
لا تزال عدة أحياء بمدينة مكناس تعاني اضطرابات متكررة في التزود بالماء الصالح للشرب، نتيجة العطب التقني الذي طال منشأة جلب المياه من سد إدريس الأول، وهو وضع تسبب في انقطاعات متكررة أثرت على الحياة اليومية للسكان.
ورغم تحسن المخزون المائي بالسدود الوطنية خلال الأشهر الأخيرة، فإن عدداً من المواطنين يؤكدون أن الأزمة ما زالت مستمرة على مستوى التوزيع، في ظل ما تشير إليه تقارير إلى وجود تحديات مرتبطة بالبنية التحتية وشبكات الماء، وهو ما يزيد من معاناة الأسر التي تنتظر عودة التزويد إلى طبيعته.
النقل الحضري.. غياب الحافلات يضاعف معاناة المواطنين
بالتزامن مع أزمة الماء، تعرف المدينة اضطراباً واضحاً في خدمات النقل الحضري، بعدما دخل عمال الشركة المفوض لها تدبير القطاع في إضراب احتجاجاً على تأخر صرف أجورهم، الأمر الذي أدى إلى تقليص عدد الحافلات بشكل كبير.
وأصبح آلاف المواطنين، من طلبة وموظفين وعمال، يواجهون صعوبات يومية في التنقل، مع الاعتماد بشكل أكبر على سيارات الأجرة أو السير لمسافات طويلة، بينما تتواصل الاجتماعات بين مختلف الأطراف بحثاً عن مخرج يعيد الخدمة إلى وضعها الطبيعي.
عاملات "سيكوميك".. ملف اجتماعي ما زال مفتوحاً
ومن بين أبرز الملفات الاجتماعية التي ما تزال تلقي بظلالها على المدينة، يواصل عاملات شركة "سيكوميك" اعتصامهن للمطالبة بتسوية وضعيتهن الاجتماعية وصرف مستحقاتهن، بعد سنوات من الاحتجاجات.
واستغلت العاملات تزامن الاعتصام مع تنظيم مهرجان عيساوة لإيصال رسالتهن إلى الرأي العام، مؤكدات أن مطالبهن تتمثل في إيجاد حل نهائي لهذا الملف الذي طال أمده، فيما شهدت بعض الوقفات تسجيل حالات إغماء وإصابات استدعت نقل عدد من المحتجات إلى المستشفى، وفق ما أفادت به مصادر محلية.
مهرجان عيساوة.. إشعاع ثقافي وسط نقاش حول الأولويات
في المقابل، يواصل مهرجان عيساوة برمجة عروضه الفنية والثقافية، مستقطباً فرقاً موسيقية وطوائف عيساوية من مختلف مناطق المغرب، إلى جانب فنانين مغاربة، في تظاهرة تهدف إلى تثمين التراث اللامادي للمدينة وتعزيز إشعاعها الثقافي والسياحي.
غير أن تزامن المهرجان مع الأزمات التي تعرفها المدينة أثار نقاشاً واسعاً بين المواطنين وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يرى البعض أن الأنشطة الثقافية تظل ضرورية لدعم الاقتصاد المحلي والحفاظ على التراث، بينما يعتبر آخرون أن الأولوية ينبغي أن تعطى لمعالجة الإشكالات المرتبطة بالخدمات الأساسية والملفات الاجتماعية.
بين التنمية الثقافية والخدمات الأساسية
وتعكس التطورات التي تعرفها مكناس خلال هذه الفترة حجم التحديات التي تواجه المدن الكبرى في التوفيق بين تنشيط الحياة الثقافية والاستجابة للانتظارات اليومية للمواطنين.
ويبقى الرهان المطروح، وفق متابعين، هو إيجاد توازن يسمح بمواصلة دعم التظاهرات الثقافية باعتبارها رافعة للتنمية والسياحة، مع الإسراع في معالجة الملفات المرتبطة بالماء والنقل والاحتجاجات الاجتماعية، بما يعزز ثقة المواطنين في جودة الخدمات العمومية ويحافظ في الوقت نفسه على الدينامية الثقافية التي تشهدها المدينة.

0تعليقات