تواصل كوريا الجنوبية تعزيز مكانتها كإحدى أبرز القوى العالمية في صناعة التجميل، غير أن أحدث التقنيات المتداولة داخل عياداتها تجاوزت مستحضرات العناية بالبشرة والحقن التقليدية، لتصل إلى استخدام مادة مستخلصة من جلد بشري متبرع به.
ويشهد العلاج، المعروف باسم Re2O، إقبالا متزايدا داخل عدد من العيادات المتخصصة، خصوصا في حي غانغنام الراقي بالعاصمة سيول، مقابل تصاعد نقاش أخلاقي وتنظيمي بشأن حدود استخدام الأنسجة البشرية في الأغراض التجميلية ومدى تأثير ذلك في توافرها للعلاجات الطبية الضرورية.
حقن لدعم بنية الجلد
يعتمد العلاج على حقن مادة مستخلصة من جلد بشري خضع للمعالجة وإزالة الخلايا منه، قبل استخدام مكوناته البنيوية لتشكيل إطار داعم داخل البشرة.
وتتكون المادة المحقونة من المصفوفة خارج الخلوية، وهي شبكة بروتينية طبيعية تمنح الجلد تماسكه ومرونته، وتسمح لخلايا المريض بالنمو داخلها والمساهمة في إعادة بناء الأنسجة المتضررة.
ويختلف هذا الأسلوب عن العلاجات الجلدية التي تعتمد على الكولاجين الحيواني أو مركبات مستخرجة من الأسماك، والتي تعمل أساسا على تحفيز البشرة على إنتاج الكولاجين بصورة طبيعية.
أما العلاج الجديد، فيسعى إلى إعادة تكوين جزء من البنية الأساسية للجلد، بدلا من الاكتفاء بتنشيط الخلايا الموجودة.
نتائج فورية وتكلفة مرتفعة
ويتضمن الإجراء حقن نحو ستة مليلترات من المادة المعالجة في منطقتي الوجه والرقبة، بهدف تقليل التجاعيد الدقيقة وتحسين نسيج البشرة واستعادة قدر من التماسك والمرونة.
وتتراوح تكلفة الجلسة الواحدة بين 600 ألف و800 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 400 إلى 530 دولارا، وهو سعر يقارب ضعف تكلفة عدد من العلاجات الجلدية الشائعة.
وأدى ارتفاع الطلب إلى فرض فترات انتظار تصل في بعض العيادات إلى شهر كامل، وسط إقبال من الكوريين والأجانب المقيمين أو القادمين خصيصا للاستفادة من علاجات التجميل في البلاد.
اهتمام بحالات فقدان الوزن السريع
ويرى أطباء يستخدمون التقنية أنها قد تكون أكثر ملاءمة للأشخاص المتقدمين في السن، أو لمن فقدوا كميات كبيرة من الوزن خلال فترة قصيرة.
ويرتبط ذلك بتراجع الدهون والامتلاء في الوجه بعد فقدان الوزن، وهي حالة أصبحت تعرف إعلاميا باسم “وجه أوزمبيك”، في إشارة إلى التغيرات التي قد تظهر على ملامح بعض مستخدمي أدوية علاج السمنة.
ومع التقدم في العمر، تتدهور المصفوفة خارج الخلوية تدريجيا، ما يساهم في ترهل البشرة وضعف بنيتها، ولذلك يراهن الأطباء على إعادة دعم هذه الشبكة لتحقيق نتائج أوضح من بعض الحقن التقليدية.
أنسجة مستوردة من بنوك أمريكية
وتستورد شركة L&C Bio الكورية، المصنعة للعلاج، الجلد المستخدم من بنوك أنسجة أمريكية معتمدة، تعمل وفق معايير تتعلق بجمع الأنسجة وفحصها والتحقق من موافقة المتبرعين أو عائلاتهم.
كما تنتج شركات كورية أخرى منتجات مشابهة تعتمد على أنسجة بشرية موثقة المصدر، في ظل النمو المتسارع للطلب على تقنيات الطب التجديدي داخل قطاع التجميل.
وبحسب بيانات الشركة، يبلغ إنتاجها الحالي نحو 80 ألف عبوة شهريا، مع خطة لرفعه إلى 150 ألف عبوة خلال النصف الثاني من العام، ثم إلى 300 ألف عبوة خلال السنوات المقبلة.
وبدأت الشركة تصدير المنتج إلى اليابان وسنغافورة، كما تخطط لدخول أسواق أستراليا وهونغ كونغ وماليزيا وتايلاند وروسيا، إلى جانب التوسع المرتقب نحو السوق الأمريكية.
سوق عالمي متنام لمكافحة الشيخوخة
يأتي توسع العلاج في سياق نمو عالمي متسارع لسوق منتجات وإجراءات مكافحة الشيخوخة، التي يتوقع أن تصل قيمتها إلى نحو 150 مليار دولار بحلول سنة 2035.
ويغذي هذا النمو ارتفاع متوسط الأعمار، وزيادة تأثير منصات التواصل الاجتماعي، وتنامي الإنفاق على الإجراءات التجميلية غير الجراحية.
وتشير تقديرات دولية إلى أن واحدا من بين كل أربعة أشخاص في آسيا سيكون قد تجاوز سن الستين بحلول عام 2050، ما يرجح استمرار ارتفاع الطلب على حلول تجديد البشرة ومقاومة مظاهر الشيخوخة.
مخاوف بشأن الاستخدامات الطبية
في المقابل، أثار انتشار العلاج مخاوف داخل الأوساط السياسية والقانونية في كوريا الجنوبية، خصوصا بشأن احتمال تحويل جزء من الأنسجة البشرية المتبرع بها من الاستخدامات الطبية الملحة إلى الإجراءات التجميلية التجارية.
وتستخدم الأنسجة البشرية تقليديا في علاج الحروق الخطيرة، وترميم الإصابات، وإعادة بناء الثدي بعد استئصال الأورام، إلى جانب بعض العمليات الجراحية المعقدة.
وطالب عدد من النواب وخبراء القانون الصحي بتشديد الرقابة على هذه المنتجات، وإخضاعها لتجارب سريرية ومتابعة طويلة الأمد، على غرار الإجراءات التنظيمية المعمول بها في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما دعا بعض المختصين إلى إعادة تصنيف هذه المنتجات باعتبارها أدوية أو مواد بيولوجية متقدمة، ما يجعلها خاضعة لموافقات أكثر صرامة قبل طرحها في الأسواق.
الشركات تدافع عن سلامة الإجراءات
وترفض الشركات المنتجة الانتقادات الموجهة إلى هذا النوع من العلاجات، مؤكدة أن الحصول على الأنسجة يتم بموافقة المتبرعين أو ذويهم، وأن استمارات التبرع توضح إمكانية استخدامها في التطبيقات الطبية والبحثية والتعليمية والتجميلية.
وتقول الجهات المشرفة على بنوك الأنسجة إنها لم ترصد حتى الآن دليلا على أن الاستخدامات التجميلية أثرت في كمية الأنسجة المتاحة للعلاجات الطبية.
كما تؤكد أن العائلات يتم إبلاغها مسبقا بالاستخدامات المحتملة، مع منحها فرصة طرح الأسئلة أو رفض بعض مجالات الاستعمال قبل استكمال إجراءات التبرع.
التحذير من منتجات مجهولة المصدر
ويرى بعض أطباء الجلدية أن التحدي الأكبر لا يرتبط بالضرورة بالتقنية نفسها، وإنما بإمكان دخول شركات غير مرخصة إلى السوق مع تزايد الطلب والأرباح.
ويحذر هؤلاء من ظهور منتجات تستخدم أنسجة مجهولة المصدر، أو لم تخضع للفحص والتعقيم الكافيين، ما قد يرفع المخاطر الصحية ويصعب تتبع سلسلة التوريد.
لذلك تتزايد الدعوات إلى فرض رقابة شاملة تبدأ من جمع الأنسجة ونقلها ومعالجتها، ولا تقتصر على فحص المنتج النهائي داخل العيادات.
ويعكس انتشار علاج Re2O التحول المتسارع الذي تعرفه صناعة التجميل الكورية نحو تقنيات الطب التجديدي، في منطقة تتقاطع فيها الابتكارات العلمية مع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية.
وبينما يرى مؤيدو التقنية أنها توسع الاستفادة من الأنسجة المتبرع بها وتقدم حلولا جديدة لمقاومة آثار الشيخوخة، يخشى منتقدوها من تحول الأنسجة البشرية إلى سلعة تجميلية، في ظل سوق عالمية تتزايد قيمتها ووتيرة المنافسة داخلها.

0تعليقات