تعليق اتفاقية التعاون بين الجزائر وإسبانيا..اندحار الوكيل يُسَرِّع انكشافَ دور المُوَكِّل
( على هامش قرار النظام الجزائري القاضي بتعليق اتفاقية التعاون المبرمة مع اسبانيا )
ـ البوليساريو مُجرد وكيل
انتقلت فكرة الوكالة التي تقوم على أساس أنَّ المُوكِّل يُفوِّض وكيلاً لإنجاز مهام محددة لصالحه دون حضوره الفعلي ، من مجالها الأصلي المنصوص عليه في القانون المدني و تَفَرُّعاتِه ، باعتبارها عقداً يخضع لاتفاق الأطراف – بعد أن تَوسَّع مجال تطبيقها ليشمل ميادين متعددة – لعلَّ أبرزَها قانون الشركات الذي يتجلى فيه هيمنة حقيقية للوكلاء ( المسيرين) و أيضاَ في القانون البحري الذي تَوسَّعت فيه سلطات الوكيل ( ربان السفينة )- إلى حدود تمكينه من صلاحيات التضحية بحمولة السفينة في ظروف معينة دون الرجوع الى الموكِّل ( مُجهِّز السفينة ) و ميدان التأمين- الى ميدان العلاقات بين الدول.
عبد اللطيف مشبال
اعتمد الفكر السياسي الاكاديمي فكرةَ الوكالة كمدخلٍ جديد لفهم الظواهر السياسية و لتفسير عدد من الحروب و الصراعات التي يشهدها العالم التي ازدادت تواتراً مؤخراً ، و تَتَمظهر في خوض حروب غير مُعلَنة بين الدول – بكيفية غير مباشرة- عبْرَ استخدام وكلاء لتحقيق أهداف الدولة الحاضنة (الموكِّل) لمجموعة مسلحة ( الوكيل ) تُوظِّفها لهذه الغاية ، دون أن تتورط تلك الدولة في حرب مباشرة مع الدولة المستهدَفَة لِتفادي تَبِعاتِ المخاطر الناتجة عن مثل هذه الحرب و خصوصاً طوق مبدإ سيادة الدول في حدودها المعترف بها وفق مفاهيم القانون الدولي .
اهتمت بعض الدراسات الامريكية – على وجه الخصوص – بنظريات الوكالة و تطبيقاتها في العلوم السياسية لتفسير ظواهر حروب الوكالة ، سيما بعد تزايد دور المليشيات العسكرية و المنظمات الإرهابية التي تختفي وراءها عدد من الدول و الجماعات المسلحة ، نذكر من بين المُنظِّرين في هذا المجال ، ميللر سوزان شابيرو ، تيري موي و آخرون .
لعل مِن بين أهم محدِّدات العلاقة ، بين أطراف هذه العلاقة ( أي الموكِّل الحاضِن او الرّاعي ، و الوكيل ) التي وقفت عليها الدراسات الاكاديمية الغزيرة التي تصدَّت لدراسة الظاهرة أنَّ الموكِّل هو المبادر في العديد من الحالات إلى تحرير عقد الوكالة و تحديد شروطها، و بيان المنافع و المقابل الذي يتولى دفعه للوكيل مقابل خدماته ، الذي لا يملك إلا حق الانصياع للعقد المقترَح عليه ، و بذلك وعند تَوافُق الإرادتين، وإبرام العَقد ، يَقبَل الوكيل الخضوعَ لتعليمات الدولة الحاضِنة التي تسعى – من خلال هذه العلاقة – إلى تحقيق مكاسب سياسية و مكاسب مختلفة عن أعمال وكيلها الذي قد يكون دولة أو كياناً سياسياً أو جماعة مسلحة انفصالية أو عناصرَ ميلشيات مُسلحَة أو غيرها… وتتناول الدراسات الغنية المشار إليها عدداً من حالات الوكلاء نَذكُر منها عصابات مسلحة ، التي يقع توظيفها من طرف الدولة الحاضنة عند توفر أسباب معينة لتحقيق أهداف مُحدَّدة.
ـ الوكيل السيبراني
غنيٌّ عن البيان ، أنَّ لجوءَ الدول إلى استعمال الوسائل السيبرانية لدعم عملياتها العسكرية أضحى أمراً متزايداً ولافتاً في العقد الأخير ، واستقرَّ الرأي الراجح بشأنها – بعد خلاف قوي – على القول بانطباق القانون الدولي الإنساني على تلك العمليات عند نشوب نزاع مسلح فأضحى أمراً لا جدال فيه ، لا يقتصر فقط على الدول المتقدمة تكنولوجيا .
و مما تجدر الإشارة اليه، أنَّ نظرية الوكالة سالفة الذكر ، امتدت مؤخراً لتشمل حتى الفضاء السيبراني و هو ما يَتجلَّى في التنصيص لأول مرة سنة 2015 على مصطلح ” الوكلاء السيبرانيين ” في تقرير الخبراء الحكوميين المعني بالتطورات في ميدان المعلومات و الاتصالات السلكية و اللاسلكية في سياق الأمن الدولي حينما أَوْجبَ على الدول ألا تَستخدم الوكلاء لارتكاب أعمال غير مشروعة دولياً باستخدام تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات ، ذلك التقرير تحديد مدلول الوكيل السبيراني .
والجدير بالملاحظة بهذا الخصوص، تَفَشِّي ظاهرة استخدام هؤلاء الوكلاء من طرف الدول الضالعة، وغيرها من التنظيمات المختلفة لتفادي مُساءلتها حتى أضحت العمليات السيبرانية ذات الطابع الهجومي وسيلةً لتحقيق التجسس وأعمال إرهابية.
يُبيِّن هذا المُعْطى بوضوح تَبنِّي الأمم المتحدة نظريةَ الوكالة في الصراعات بين الدول ، فهو اعتراف صريح منها باستخدام الوكلاء من طرف الدول الراعية لتحقيق أهدافها ضد الدولة المستهدَفَة ،الأمرُ الذي يستدعي – ولا شك – تَدخُّلَ المجتمع الدولي لِوضع حدٍّ لهذه الممارسات الإجرامية ومعاقبة الدول الراعية كما هو عليه الحال بالنسبة للدولة الجزائرية .
ـ مُجاحَدَة الجزائر في اضطلاعها بدور الراعي للبوليساريو
غنيٌّ عن البيان أنَّ الجزائر ظلت – وإلى الآن – تُجاحِد في صفتها كَراعيةٍ للبوليساريو ، والداعِمة الأساسية لها كحركة تنادي بانفصال الصحراء المغربية عن وطنها الأم ، مبررةً ادعاءاتها بشتى الذرائع من ضمنها الادعاء بكونها مجرد طرف مراقب في النزاع الذي يوجد تحت رعاية الأمم المتحدة ،وبأنَّ موقفها نابعٌ من إيمانها – المزعوم – بعدالة قضايا تحرر الشعوب ، كما لو أنها عاصمة التحرر الوطني في العالم ، و مركز الأممية الخامسة ، لتتهرب- هكذا – مِن تفسير دورها الرئيسي و الوحيد في خَلْق النزاع المفتعَل في الصحراء المغربية عَبْر وكيلها الذي تستخدمه – يائسةً – أداةً لِإضعاف المغرب و لِقطْع شرايين ارتباطه بإفريقيا جنوب الصحراء مثلما يتجلّى في دفعها السَّخِي لملايير الدولارات ، منذ استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية ، على حساب بناء مزدهر لمغرب عربي واحد .
تبرهن كل الاحداث والوقائع التي صاحبت تَغيُّرَ الموقف الاسباني أخيراً من قضية الصحراء المغربية منذ تأييدها لمقترح المغرب القاضي بمنح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية الذي سبق له أن طرحَه سنة 2007 باعتباره ” خيار واقعي يُدعم حلاًّ مُستداماً لهذا النزاع ” ، على صحة طروحات المغرب ، الذي ما انفك يردده ، القائلة ان الجزائر هي الطرف الرئيسي في النزاع باعتبار البوليساريو ليست سوى صنيعتها.
هذا ما تجلى مؤخراً بوضوح تام – على وجه الخصوص – في هرولة النظام الجزائري نحو استدعاء سفيره بمدريد كاحتجاج منه على الموقف الذي اتخذته الحكومة الاسبانية عبر رئيسها بدرو سانشيز في شهر مارس المنصرم في رسالته التي وجهها الى جلالة الملك وتضمنت تأييدها التام لمقترح الحكم الذاتي المقدَّم من المغرب بوصفه المقترَح الوحيد ذي المصداقية والقابل للتطبيق.
هذه التطورات و ما تَبِعها – مثلما سنتعرض اليه لاحقاً – تُثبِت حقيقة ساطعة مَفادُها أنّ الطرف الحقيقي في النزاع هو النظام الجزائري متى كان من الجَلِيِّ أنّ استدعاء السفير الجزائري للاستشارة لا يمكن أنْ يَصدُر سوى عن الطرف الأصيل، صاحب المصلحة المباشرة في نشوب النزاع و الإبقاء عليه لتحقيق اهداف سياسية توسعية و مكاسب اقتصادية ، في الوقت الذي اكتفى فيه الوكيل ( البوليساريو ) بإصدار بيان يعبر فيه عن استغرابه من الموقف الاسباني .
فبيانُ النظام الجزائري الذي صدر بهذه المناسبة تَضمَّن عباراتٍ دقيقةً احتج فيه بسبب الموقف السليم المُتخذ من طرف الحكومة الاسبانية بشأن ملف الصحراء المغربية ، إذْ اعتبَر أنه ” انقلاب مفاجئ و تَحوُّل في موقف اسبانيا اتجاه القضية الصحراوية ” ، كما لو أنّ الجزائر تَدَّعي حقاً لها في الصحراء تَمَّ المَساسُ به من طرف الحكومة الإسبانية ، والحال أنَّ الإجراءَ المشارَ إليه المُتَّخَذَ من طرف الأخيرة لا يهم نهائياً مصالحَ المواطن الجزائري الذي يُفترَض أنْ تسعى السلطة الجزائرية لتحقيقها والحفاظ عليها بدلاً مِن إهدار أمواله في قضية مُفتعَلَة إرضاءً لسياساتٍ ثَبَتَ بالملموس فشلُها الذريع الأمر الذي يستدعي تصحيحها لتحقيق التنمية والسعي لبناء مغرب عربي قوي تنتفع شعوبه من ثرواته عِوَضَ إبادتِها في نزاعاتٍ عَبثيَّة .
ومن الواضح أنَّ مِثل هذا الشكل القوي من الاحتجاج الدبلوماسي المذكور لا يمكن اتخاذُه سوى كَرَدِّ فِعْلٍ أو إجراءٍ مُضادٍّ لانتهاك حقٍّ مُعَيَّن تَعَرَّضَ له الجانبُ المُحتَجّ.
فإنْ كان المغرب قد استدعى سفيرتَه المعتمَدة لدى إسبانيا، فقد كانت له مبرراتُه المشروعة التي تَمثَّلت في شعوره بالإحباط من موقف الجارة الشمالية بسبب موافقتها على استقبال زعيم البوليساريو الذي يقود حركةً متمردة تهدف إلى فصل جزء من التراب الوطني عن الوطن الأم لمصلحة الدولة الراعية له ، بجواز مُزوَّر دون إخطار المغرب الذي يهمه الأمر.
تَخَبُّط الدولة الجزائرية بلغ مَدىً تصعيدياً حاداً غيرَ مسبوق عَبْر تعليقه معاهدة الصداقة القائمة بين الجزائر وإسبانيا لِيُسقِطَ بذلك آخِر ورقة توتٍ صادِعاً بحقيقة دوره في خلْق النزاع المفتعل بخصوص مناطق المغرب الجنوبية، مما زاد من اتضاحٍ للعالم دور الموكل الراعي الذي يقوم به النظام الجزائري ، بعد اندحار وكيله على إثْر الهزائم المريرة العسكرية و السياسية التي مُنِي بها على مختلف الجبهات سِيما بعد فتح عدد هام من القنصليات الاجنبية في أقاليم صحرائنا الجنوبية الغربية ، وفَتْح مَمَر الكركرات بفضل تدخل حاسم للقوات المسلحة الملكية ، مع ان المعاهدة المذكورة لا تنص على هذا التعليق و انما على إمكانية فسْخِها عملاً بالمادة 12 منها ، كما جاء في مقالٍ نشرَه الدبلوماسي السابق جمال الدين مشبال في أسبوعية الأيام الصادرة بتاريخ 16/06/2022.
مع العلم أنَّ المادة 57 من معاهدة فيينا لقانون المعاهدات ، لا تُجيز ايقافَ العمل بمعاهدة دولية سوى بموجب نصوصها ، أو بِرِضى أطرافها ، وهي حالة غير متوفرة في وقائع و حيثيات قرار السلطات الجزائرية بخصوص تعليق معاهدة التعاون المُبرَمة بينها و بين الجزائر ، كما أنَّ المادة 72 من هذه المعاهدة تنص بكيفية صريحة في فقرتها الثانية على ” أنَّ قرار إيقاف العمل بالمعاهدة لا يمكن أنْ يُؤثِّر على العلاقات القانونية التي أنشأتها المعاهدة بين الأطراف ” ، الأمر الذي يُجرِّد موقف الحكومة الجزائرية من كل سندٍ قانوني لتبرير الإجراءات العقابية ذات الأبعاد الخطيرة التي اتخذتها ضد إسبانيا بمقتضى قرار التعليق ، كما يُعَدُّ خرقاً واضحاً من طرفها لقواعد القانون الدولي مما يزيد مِن كَشْف عَدَم اكتراث النظام المذكور بتلك القواعد و تَبَنِّيه لسلوكياتٍ خَرْقاءَ يَأْباها المجتمع الدولي الذي تُعَدُّ اتفاقيةُ فيينا المذكورة مِن ضمن أحَد أبرز دعائمه ، مع العلم أنّ تلك السلوكيات سبق أنْ مارسها النظام سالف الذكر ضد المغرب وضد قواعد القانون الدولي حينما قطع العلاقات الدبلوماسية معه والغاز عنه على نحو غير مبرر و بكيفية ارتجالية ، فأضحى من المَسُوغ – في هذه الظروف – إطلاقُ وَصْف الدولة المارقة على الدولة الجزائرية.
و اللافت للانتباه أنَّ قرار تعليق العمل بالمعاهدة المذكورة ، تم اتخاذُه خلال اجتماعٍ للمجلس الأعلى للأمن بالجزائر الذي يرأسه رئيس الدولة ، و هو ما يعني بوضوح أنّ القرار له علاقة مباشرة بأمن الدولة الجزائرية التي تُقِرُّ فيه بكيفية لا تقبَل أدنى تأويل بصفتها كَراعٍ للبوليساريو ، مثلما يتجلى من خلال قراءة متأنية لذلك البيان الذي جاء فيه ان ” السلطات الاسبانية تعمل على تكريس سياسة الامر الواقع الاستعماري ، باستعمال مبررات زائفة ” كما لو أن الأمرَ يتعلق بجزء مزعوم من التراب الجزائري ، فنزعت بالتالي آخر غطاء عن الجمهورية الصحراوية المزعومة التي أعلنت عنها في الأوراق ، فاضحةً كونَها مجردَ كيانٍ وهمي لا قيمة له ، طالما أنه من المعروف في القانون الدولي أنَّ للدولة مظهران : مظهرها الداخلي ( السيادة الداخلية ) المتمَثِّل في قيام سيادة على كل إقليمها ، وفي سلطتها التي لا تستطيع أي سلطة أخرى أنْ تَحُدَّ منها أو تُقيِّدَها ، و مظهر خارجي ( السيادة الخارجية ) يترتب عنه عدم خضوعها لأي إشرافٍ أو وصايةٍ من سلطة أخرى ، و مِن ثَمَّة فإنَّ مُؤَدَّى خضوع دولة لدولة أخرى في علاقتها الدولية يعني لزوماً انعدامَ سيادتها و هو ما يتضح بالمكشوف من الأنباء التي تناولتها الصحف مؤخراً في هذا الشأن، سيما ما جاء في تصريح المسمى مصطفى سيدي البشير أحد كبار قادة البوليساريو الذي جاء فيه ان ” الجمهورية الصحراوية ليست سوى وهم و لا وجود لوزرائها ” .
ـ وَقْفُ العمل بالمعاهدة خرقٌ سافرٌ لأحكام القانون الدولي
ناهيك ، عن أنَّ موقفَ النظام الجزائري الذي وَرد في وثيقة تعليق معاهدة التعاون مع إسبانيا ينم عن تجاهل تام لمقررات الأمم المتحدة المتعلقة بمنْع التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول التي تُوجِب – بكيفية آمِرَةٍ – الدُّولَ بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها بأيِّ شكلٍ من الأشكال ، أو عن انتهاك الحدود القائمة المعترَف بها دولياً لدولة أخرى أو زعزعة النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لدول أخرى ، أو الإطاحة بالنظام السياسي لدولة أخرى أو حكومتها أو تغييرهما، أو إحداث توتُّرٍ بين الدول بصورة ثنائية أو جماعية ، أو حرمان الشعوب من هويتها الوطنية و تراثها الثقافي”.
( الفقرة ( أ ) من المادة الثانية من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 103/36 المؤرخ في 09/12/1981 )
كما تخرق الفقرة ( ب ) من المادة الأولى التي جاء فيها :
” حق الدولة السيادي غير القابل للتصرف في تقرير نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي و الاجتماعي بحرية، و في تنمية علاقاتها الدولية و في ممارسة سيادتها الدائمة على مواردها الطبيعية وفقاً لإرادة شعبها دون تدخل أو تخريب أو قسر أو تهديد من الخارج بأي شكل من الأشكال “.
فموقف النظام الجزائري المُعبَّر عنه من خلال وَقْف العمل بمعاهدة التعاون مع إسبانيا يثبت، مرة أخرى، مدى رعونته و مدى عدم احترامه لسيادة إسبانيا كحقٍّ لا يَقبَل أدنى منازعة، طالما أنَّ ما أقدمت عليه الأخيرة، يندرج ضمن حقها الطبيعي في ممارسة سيادتها وِفْق نظامها السياسي بكل حرية ، دون أي قيد.
إنّ موقف النظام المذكور الذي أعربَ عنه من خلال تجميد كل أشكال التعاون التجاري بين البلدين – علاوة على أنه يندرج ضمن الأفعال الممنوع ارتكابُها في العلاقات بين الدول بصريح أحكام الفقرة ( ب ) من المادة الأولى من اعلان عدم جواز التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول موضوع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة صادر بتاريخ 09/12/1981 – يُعتبَر بالإضافة الى ذلك تهديداً مرفوضاً لكونه استعمال التهديد في تلك العلاقات و هو أمر ممنوع بأيِّ شكل من الأشكال ، مما يُعَد حقاً دليلاً هاماً إضافياً على انعدام الحِنْكة السياسية بل الثقافة السياسية لدى رأس النظام الجزائري .
فكيف له أنْ يعلم أنَّ مِثلَه لن يلبث حتى يتحول إلى مجرد هيكل خشبي أمام حجم التطورات الجيوسياسية الجارية في العالم والمتدفقة كالنهر، وأمام تراكم الحصاد الإيجابي الذي يحققه المغرب على عدة مستويات بإشهادٍ من دول عريقة ومؤسسات مالية مرموقة و منظمات دولية وازنة.
ـ الموقف الجزائري يتسم بسوء النية و بخرق للقانون الدولي
لا حاجة للتذكير بأهمية المعاهدات في النظام الدولي حتى أصبحت أداة أساسية لا محيد عنها لتحقيق التعاون الدولي و احتلت مكانة رفيعة في بنيان القانون الدولي ، و انعكست مضامينها سيما الثنائية منها كتلك المبرمة بين اسبانيا و الجزائر سنة 2002 التي تم تعليقها من طرف الأخيرة على المواطن الاسباني العادي ، مثلما يتجلى من بنودها المتعلقة بتنظيم التصدير و الاستيراد مما يصدق معه عليها قول الفقيه ستارك أنها ” الأداة الرئيسية التي تزود بها مجتمع الدول بهدف تنفيذ مختلف المعاملات المتنوعة في الحياة الدولية ” الأمر الذي أدى ببعض الفقهاء إلى القول بوجوب تنفيذ المعاهدات بحسن نية و لو كانت غير ملائمة للدولة لتلافي تدمير الثقة و بالتالي تدمير كل تعامل بين الحكام و تحطيم لَبِنَة أساسية من القانون الدولي و هو ما انتهى اليه النظام الجزائري بكل رعونة و استخفاف و سوء نية .
فبخلاف ما نصت عليه المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 من أنّ ” كل معاهدة سارية تُقيِّد أطرافَها و يجب عليهم أن ينفذوها بحسن نية ” فإنّ قرار النظام الجزائري تعليق المعاهدة سالفة الذكر فَضَح ممارساته التي لا تقيم أي وزن للقوة المُلزِمة للقانون الدولي ، و الالتزامات الرسمية التي تتضمنها المعاهدات لكونها هي المصادر الأساسية للالتزام القانوني ، مما يجب معه احترام بنودها ، باعتبار أنَّ الدول كالأفراد يجب عليها أنْ تُراعي التزاماتها ، بكل حسن نية ، و الحال أنّ قرار التعليق سالف الذكر تَمَّ اتخاذُه من طرف النظام الجزائري كأداة فاشلة لغايات انتقامية و ابتزازية في محاولة يائسة للضغط على الحكومة الاسبانية لتغيير سياساتها تجاه قضية الصحراء المغربية وَوَضْعها على السكة الصحيحة الأمر الذي يُبرهِن بالملموس – ليس فقط على سوء نية النظام الجزائري – بل وعلى الأخَص يُثبِت للعالم – للمرة الألف – أنه المحرك الوحيد للنزاع بالصحراء المغربية بهدف تحقيق مطامحه التوسعية عبر اقتطاع جزء من التراب الوطني لتنصيب حُكْمٍ عميل له على أراضيه عن طريق استعمال قواعد الوكالة في خلق البوليساريو الأمر الذي يتعين معه أخذه بعين الاعتبار من طرف المجتمع الدولي و معاملة النظام المذكور نقيض قصده.
و بلا شك، فإنّ الخطوة الاولى في هذا الاتجاه العادل و السَّوِي ، يتطلب تصحيحَ الوضع بالاتحاد الافريقي عَبْر طرد دولة شبح تَقْبَعُ بين أعضائه ، و هو التحرك المرجو من الدبلوماسية المغربية السعي نحو تحقيقه.
