رئيس الحكومة المغربية السابق سعد الدين العثماني: الموقف الإسباني تاريخي .. وأطراف دولية تعرقل حل نزاع الصحراء

رئيس الحكومة المغربية السابق سعد الدين العثماني: الموقف الإسباني تاريخي .. وأطراف دولية تعرقل حل نزاع الصحراء

 رئيس الحكومة المغربية السابق سعد الدين العثماني: الموقف الإسباني تاريخي .. وأطراف دولية تعرقل حل نزاع الصحراء

شدد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق وزير الخارجية في حكومة بنكيران قبل التعديل، على أن دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء باعتبارها حلا لهذا النزاع المفتعل، سيكون له تأثير على مستقبل الملف برمته، وليس على مستقبل العلاقات بين البلدين فقط.




واعتبر العثماني أن موقف الحكومة الإسبانية سيؤثر على وضعية الانفصاليين بإسبانيا، وسيحد من زخم دعم المجتمع المدني والسياسي لهم. كما توقف عند الدلالات السياسية للموقف الإسباني الأخير، خاصة أنه صادر عن حكومة منبثقة عن الحزب الاشتراكي العمالي الذي كان دائما يضم تيارا راديكاليا يعترف بالانفصاليين ويدعمهم، مؤكدا أن هذا له دلالة سياسية كبيرة.


ولفت العثماني إلى أنه “لو قام بهذا الموقف رئيس حكومة ينتمي إلى الحزب الشعبي، لكانت دلالته أقل قليلا، رغم أهمية الحزبين بطبيعة الحال، لكن الذي قاد هذا التحول هو الحزب الذي يضم تيارا يدعم الانفصاليين، وهذا سيكون له تأثير حتى على وضعية الانفصاليين داخل إسبانيا”، مضيفا: “نعرف أن إسبانيا هي الدولة التي تعرف حركية كبيرة في دعم الانفصاليين، وهذا الموقف سيحد من الأنشطة الداعمة للانفصاليين على مستوى المجتمع المدني والسياسي، وسيؤثر على مستويات أخرى في علاقة المغرب مع إسبانيا”.




كما استغرب العثماني انزعاج القيادة الجزائرية من الموقف الإسباني، معتبرا أن ذلك يأتي عكس تصريحاتها التي تعلن فيها أنها ليست طرفا في هذا الملف.


وهذا نص الحوار:


ماذا يعني لك الاعتراف الإسباني بمبادرة الحكم الذاتي كحل لملف قضية الصحراء؟

هذا موقف تاريخي، لأنه لأول مرة إسبانيا بوصفها دولة مستعمرة للصحراء المغربية سابقا تقوم بعملية تحول مهم في موقفها من قضية الصحراء، من موقف كان يتسم بجزء كبير من الضبابية وعدم الاعتراف بالحق المغربي وعدم الاعتراف بأهمية الصحراء بالنسبة للمغرب وعدم وجود أي خطاب يحاول أن يتقارب مع المغرب في هذه القضية، إلى موقف يصرح كما قال رئيس الحكومة الإسبانية في رسالته إلى جلالة الملك بأن قضية الصحراء مهمة بالنسبة للمغرب وأن الحكم الذاتي هو الحل الأكثر مصداقية والأكثر جدية في قضية الصحراء، هو تحول تاريخي مهم جدا سيكون له ما بعده، وسيؤثر في المستقبل ليس فقط على مستوى العلاقات بين البلدين ولكن سيؤثر على مستوى مستقبل الملف نفسه.


كرئيس حكومة سابق، وباعتبارك سبق أن تحملت مسؤولية وزارة الخارجية، هل كنت تتوقع هذا التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء؟

بكل صراحة، بعد خطاب جلالة الملك بمناسبة 20 غشت، اتضح أن هناك أفقا، لكن لم يكن أحد يعلم ما حدود هذا الأفق، جلالة الملك في خطاب 20 غشت أكد أن هناك حوارا صريحا مع الطرف الإسباني وأن جميع القضايا تناقش.


وكما تعلم، فإن هذا الخطاب جاء بعد أزمة ديبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، معنى ذلك أنني كنت أتوقع “نعم” وأتوقع “لا”، كنا نعرف أن هناك شيئا جديدا سيأتي، ولكن بالضبط أين ستقف الحكومة الإسبانية، أنا شخصيا لم أكن أتوقع كثيرا، وإن كانت هناك بعض الأطراف الإسبانية، خاصة بعض المراكز، سبق أن قدمت رأيا في هذا الاتجاه، كما أن بعض الباحثين الإسبان اعتبروا أنه ليس هناك مندوحة لإسبانيا إلا بالاعتراف بحل الحكم الذاتي كحل لقضية الصحراء باعتباره حلا جديا وذا مصداقية.


معنى ذلك أنه كانت هناك بعض الإرهاصات، لكن لم تكن هاته الإرهاصات كافية لمعرفة أين سيقف الموقف الإسباني.


ما تأثير هذا الموقف على العلاقات بين البلدين؟

ستكون لهذا الموقف تأثيرات كبيرة على العلاقات بين البلدين، والمغرب كان قد قال مرارا إن الموقف الضبابي لإسبانيا لا يبعث على الثقة. صحيح أن العلاقات كانت تتطور اقتصاديا وثقافيا، وكنا نحاول أن نبذل جهودا على المستوى الديبلوماسي، ولكن إذا لم تكن هناك ثقة حقيقية بين الطرفين ولم تكن هناك مواقف واضحة من قبل كل طرف بشأن القضايا الأساسية والمصيرية للطرف الآخر، (فإن الجهود لن تسفر عن النتائج المرجوة).


إن المغرب يعتبر قضية الوحدة الترابية قضية أساسية ومصيرية، وعليه فلا يمكن أن تتعامل معي اقتصاديا وأنت أصلا لديك موقف ضبابي من وحدتي الترابية.


وكما تتذكرون، فإن المغرب سارع إلى اتخاذ موقف واضح من الوحدة الترابية الإسبانية بعد اندلاع مشكل كطالونيا؛ فالمغرب كان دائما يأمل أن يكون لإسبانيا موقف بنفس الوضوح من صحرائه، وأظن أنه اليوم عكس أمس أصبحت لدينا أرضية تتميز بالثقة مادام الطرف الإسباني في أعلى مستوى أعلن عن موقف واضح، صحيح أنه لا يوازي الموقف الأمريكي باعتباره اعترافا واضحا، لكنه يعتبر الحل الذي اقترحه المغرب أساس المفاوضات وأساس حل قضية الصحراء.


أظن أننا أمام تحول كبير، يأتي بعد الموقف الأمريكي والألماني ودول عديدة، إذن الآن هناك وضوح فيما يخص مواقف الدول المرتبطة بملف قضية الصحراء.


بالنسبة للمغرب، هذا يعطيه نوعا من الاطمئنان بأن له شركاء حقيقيين، لأننا لا يمكن أن نكون شركاء وأنت تريد أن تضر بوحدة ترابي ووحدة وطني، وتريد أن تقسمه وأن تنشئ لي دولة لقيطة في جنوبي، هذا لن يؤدي إلى إقامة علاقات جيدة، أما اليوم فلدينا أساس لتطوير هذه العلاقات إلى الأفضل.


صحيح أننا مازلنا ننتظر من الطرف الإسباني تطبيق وتنفيذ وتنزيل هذا الموقف الجديد المهم، خصوصا أنه يأتي من حكومة منبثقة عن الحزب الاشتراكي العمالي الذي كان دائما يضم تيارا راديكاليا يعترف بالانفصاليين ويدعمهم، وهذا له دلالة سياسية كبيرة. فلو قام بهذا الموقف رئيس حكومة ينتمي إلى الحزب الشعبي، لكانت دلالته أقل قليلا، رغم أهمية الحزبين بطبيعة الحال، لكن الذي قاد هذا التحول هو الحزب الذي يضم تيارا يدعم الانفصاليين، وهذا سيكون له تأثير حتى على وضعية الانفصاليين داخل إسبانيا، فنحن نعرف أن إسبانيا هي الدولة التي تعرف حركية كبيرة في دعم الانفصاليين، وهذا الموقف سيحد من الأنشطة الداعمة للانفصاليين على مستوى المجتمع المدني والسياسي، وسيؤثر على مستويات أخرى في علاقة المغرب مع إسبانيا.


إذن، هذه علاقة جديدة، نتمنى أن تكون الأسس التي بنيت عليها صحيحة فيما يخص العلاقات بيننا، خاصة أن إسبانيا شريك اقتصادي أساسي بالنسبة للمغرب؛ إذ منذ 2012 أصبحت الشريك التجاري الأول للمملكة، وقد تطورت هذه الشراكة على مدى السنوات الماضية، كما أن هناك استثمارات إسبانية مهمة، حيث إن أزيد من 1000 شركة تستثمر في المغرب، فضلا عن وجود استثمارات مغربية في إسبانيا كذلك، ووجود جالية مغربية مهمة تزداد يوما عن يوم.


وقد استمرت هذه العلاقات رغم الموقف الضبابي لإسبانيا من الوحدة الترابية، (فما بالك) إذا أصبحت هذه العلاقات ترسو على أسس تتميز بالثقة وفيها اعتراف بحقوق المغرب؛ فأن تعترف إسبانيا بالحل المغربي كأساس للطي النهائي لهذا الملف، معنى ذلك أنها تعترف بحقوق المغرب في صحرائه، أي إن الأساس هو أن هذه الصحراء مغربية.


وعموما، فإن الاعتراف الكامل لإسبانيا بمغربية الصحراء أصبح على مرمى حجر، أي إنها تحتاج لاتخاذ خطوة بسيطة فقط في هذا الاتجاه.


إن هذا التحول المهم سيرفع الحرج على المستثمرين الإسبان ويدفعهم إلى الاستثمار في الأقاليم الجنوبية.


كيف يمكن استثمار الموقف الإسباني الأخير وتحصينه من عدم التراجع؟

في الحقيقة هناك حل وحيد، هو أن يظل الحوار مستمرا والتعاون فيما يخص الملفات الموجودة في العلاقات بين البلدين.


نحن نعرف أن المغرب وإسبانيا بلدان جاران، وهناك ملفات عديدة تربطهما وتشكل هاجسا بالنسبة لهما، كالهاجس الاقتصادي والتجاري، وهناك الملف الإنساني والاجتماعي المتمثل في وجود مغاربة في إسبانيا واسبان في المغرب، كما أن هناك مغاربة يحصلون باستمرار على الجنسية الإسبانية، معنى ذلك أن هناك علاقات إنسانية متوطدة.


هناك أيضا الملف الأمني ومحاربة الإرهاب ومحاربة الجريمة العابرة للحدود والهجرة السرية، هذه كلها ملفات شائكة. وبالتالي، فإن هذا الموقف سيمكن من رفع درجة التعاون.


إن المغرب كانت لديه دوما نية صادقة من أجل التعاون في الملفات المذكورة، لأنه أن يتفاهم جار مع جاره فهذا مفيد للطرفين، فعندما نحارب الجريمة العابرة للحدود، فإن إسبانيا تستفيد ويستفيد المغرب أيضا، إذن فالفائدة تعود على الطرفين، واليوم لدينا أرضية صلبة لتطوير التعاون بين البلدين في مختلف الملفات.


أريد كذلك أن أشير إلى نقطة هامة في هذا الملف، وهي تعكس مستوى الذكاء الذي تعامل به المغرب مع هذه القضايا، ومستوى الصرامة أيضا؛ فالمغرب معروف بصرامته عندما يتعلق الأمر بالوحدة الترابية، لأن القضايا الأخرى كلها جزئية تابعة لهذه القضية، لأن حماية الوطن هي الأساس، ثم تأتي المسائل الأخرى في هذا الوطن على الرغم من أهميتها، ولكن لا يمكن أن ننجح في القضايا الأخرى دون أن تكون السيادة الوطنية محمية ومحفوظة، فلذلك المغرب لديه وضوح استراتيجي في التعامل مع مثل هذه القضايا.


إن المغرب يضع أولوياته بشكل واضح، ثم يتعامل بنوع من الصبر على الطرف الآخر وعلى الخصوم ومحاولة حل الأمور عن طريق الحوار، وقد رعى جلالة الملك هذا الحوار شخصيا كما أعلن عن ذلك، وهو حوار مستمر، كما أن جزءا كبيرا من هذا الحوار لا نعرف ما تم فيه وكيف تم ولا أين ولا متى، ولكن كان يتم من أجل إقناع الطرف الآخر بأن المغرب لديه مصالح، وأنه لن يتزعزع إذا لم تكن هذه المصالح محمية.


وأظن أن هذا الأسلوب الذي اتبعه المغرب على الرغم من التحديات الإقليمية والدولية الخطيرة، استطاع أن يرصد مصالح المغرب استراتيجيا مع مرور الوقت، وهذا هو الوضوح الاستراتيجي، أي وضوح الأفق ووضوح أسلوب التعامل، فجميع الأطراف تعرف اليوم أن المس بقضية الصحراء يعني أنه لم تعد هناك لا تجارة ولا اقتصاد ولا تعاون ولا أي شيء، إذن يجب أن نحل هذا المشكل أولا، وبعدها يصبح كل شيء سهلا، ويمكننا أن نراعي للطرف الآخر.


إذن، فالمغرب له وضوح استراتيجي ويضع أولوياته بدقة، لكن هناك مرونة أيضا في التعامل مع الطرف الآخر إلى أن نحقق أهدافنا الاستراتيجية.


كيف تنظر إلى مستقبل ملف الصحراء؟

المغرب خطى الآن خطوات إيجابية، لكن حل الملف نهائيا بيد المغرب وحده، فالمغرب ليس هو المعرقل، وليس هو الذي أراد أن يؤخر الملف، بل إن أطرافا أخرى إقليمية وربما دولية هي التي تتدخل لعرقلة إتمام المغرب نهائيا لسيادته الوطنية على صحرائه.


واقعيا، المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها كما يقول جلالة الملك دائما، وسياسيا المغرب واضح، لكن على المستوى الدولي لا تزال هناك خطوة يجب أن يخطوها المجتمع الدولي؛ فالمغرب قام بجهود غير مسبوقة من أجل حل هذا الملف وترصيد حقوقه.


حينما قرر المغرب العودة إلى الاتحاد الإفريقي، البعض لم يكن راض عن هذه الخطوة، واعتبر أنها اعتراف بالانفصاليين أكثر منه شيئا آخر، لكن واضح أن هذه الخطوة جاءت في إطار استراتيجية تسير بأهداف نحو الترصيد الكامل لمغربية الصحراء دوليا وأمميا، وبالتالي فقد جاءت لتسلمنا إلى مراحل جديدة، من بينها فتح عدد من الدول الإفريقية قنصلياتها في الصحراء المغربية، فافتتاح قنصليات في الصحراء أيضا يشكل قرارات تاريخية لا تقل أهمية عن الموقف الإسباني، فقد كان الانفصاليون ومن يدعمونهم يشوشون دائما على المغرب ويعتبرون أنه ليست هناك أي دولة تعترف حقيقة بمغربية الصحراء وأن باقي الدول تقف على الحياد بين المغرب وخصومه.


إن فتح القنصليات هو اعتراف عملي بمغربية الصحراء، وقد شكل ذلك صدمة للانفصاليين ومن يدعمهم، ثم جاء الموقف الأمريكي ليرصد أكثر هذا الموقف، فاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء يعتبر تحولا غير مسبوق، إذ لأول مرة تعترف دولة عظمى بمغربية الصحراء.


ثم جاءت المواقف الأخيرة لألمانيا وإسبانيا تسير في الاتجاه نفسه وإن لم تصل إلى مستوى الاعتراف الأمريكي.


وعموما، فنحن نقترب من الحل، لكن لا أحد يمكنه أن يتنبأ متى سيتحقق ذلك أمميا، أما المغرب فقد حقق حله النهائي.


الموقف الإسباني أثار انزعاج الجزائر، كيف تنظر لهذا الانزعاج والحملة التي شنتها على المغرب؟

في الحقيقة رد فعل القيادة الجزائرية غير مفهوم، لأن الجزائر كانت دائما تقول إنها ليست طرفا في هذا النزاع، وحتى في المفاوضات كانت تقول بأنها لست طرفا، فكان الأولى ألّا يكون لديها أي رد فعل، لكن مع الأسف ليس هذا الذي وقع. نتمنى إن شاء الله أن تتعقل القيادة الجزائرية وأن تدرك أن حركة التاريخ تسير في اتجاه معين، وأنه لا يمكن إيقاف حركة التاريخ.