"من فوق الأسوار" .. رسائل تجمع مغربية مسلمة وحاخاما يهوديا
في زمنِ احتدام الصراعات ذات الخلفية الدينية، خطّت أنامل شابة مغربية مسلمة وحاخام يهودي، يقيمان في هولندا، تجربة إنسانية رائعة مفعمة بقيَم التعايش والمحبة والسلام، بتألفيهما كتابا موسوما بعنوان "Over muren heen"، ويعني العنوان بالعربية "من فوق الأسوار".
تتناول الكاتبة المغربية الناشئة أميمة العبدلاوي، ذات الـ18 ربيعا، وفان دي كمب، الحاخام اليهودي بأمستردام، في كتابهما المشترك، جملة من القضايا الراهنة المؤرّقة للبشرية، وعلى رأسها مسألة الهوية، وما تطرحه من إشكالات وتحديات متعددة.
"من فوق الأسوار" هو ثمرة رسائل متبادلة بين الكاتبة المغربية الناشئة والحاخام اليهودي، تبادلا الطرفان فيها رأيهما في القضايا ذات البُعد الكوني، وتلك التي تهمّ سبل التعايش السلمي في المجتمع الهولندي المتعدد الثقافات، بين مختلف مكوناته.
في يوم توقيع كتاب "من فوق الأسوار" بالعاصمة الهولندية أمستردام، جلست الكاتبة المغربية الناشئة أميمة العبدلاوي والحاخام فان دي كمب، وقد اعتمر كل واحد منهما رمزا دينيا دالا على خلفيته الدينية. ترتدي أميمة الحجاب، ويعتمر دي كمب القلنسوة، دون أن تكون خلفيتهما الدينية حاجزا أمام مد جسور الحوار والتعايش بينهما.
كان اللقاء الأول بين أميمة العبدلاوي والحاخام فان دي كمب في كنف الحرم المدرسي، حيث درّس دي كمب أميمة في الفصلين الأول والثاني بالمدرسة الثانوية، وتواصلت علاقتهما "من فوق الأسوار"، عبر تبادل رسائل محمولة بهمّ الأستاذ وطالبته إزاء ما يمور به العالم من قضايا لا تزداد إلا تعقيدا يوما بعد يوم.
تحاول أميمة العبدلاوي لململة أطراف أسئلة تطرح نفسها بإلحاح، محورها الأساس هويتها، وتتساءل، كما هو وارد في غلاف الكتاب، هل هي مغربية أم هولندية أم هما معا، وتتساءل هل المرء هو الذي يحدد هويته أم تُراه العالم من حولها هو الذي يفصل في هذه المسالة، وتتحدث عن أجدادها، وعن هجرتهم إلى هولندا.
ووسط صخب الخلافات الذي يضج به العالم في زمننا الراهن، وضوضاء "صراع الحضارات"، جسّد لقاء توقيع كتاب "من فوق الأسوار"، بالعاصمة الهولندية أمستردام، لحظة مشرقة وبارقة أمل في أنّ تجاوز الوضع الراهن المتدثر بالسواد أمر ممكن، إنْ توفر قليل من الإرادة لتحقيق هذا المبتغى.
فقد حضر الحفل مسلمون ويهود، وحظيت هذه الخطوة بمباركة رسمية مغربية، متمثلة في حضور القنصل المغربي بأمستردام محمد المتوكل، الذي نوّه بهذه التجربة الأدبية الفريدة، ورأى أنها ستسهم لا محالة في تغيير الصورة النمطية إزاء المسلمين، وخاصة المغاربة، بهولندا. ومن الجانب الهولندي حضر عمدة أمستردام الأسبق يوب كوهين، وهو من الديانة اليهودية.
التجربة الفريدة التي رسمتها الكاتبة المغربية الناشئة أميمة العبدلاوي، وأستاذها السابق الحاخام فان دي كمب، هي امتداد للعلاقات الطيبة التي جمعت المغاربة المسلمين واليهود منذ قرون من الزمن؛ فأول سفير مغربي لدى هولندا كان يهوديا يدعى سامويل بالاش، جرى تعيينه سفيرا للمملكة لدى بلاد الأراضي المنخفضة عام 1608.
كما أن هذه التجربة الأدبية هي تجسيد لانفتاح المغاربة المسلمين على باقي أتباع الديانات الإبراهيمية الأخرى، وقد تجسد ذلك جليا خلال الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان فرنسيس إلى المغرب متم شهر مارس، وجعلت المغرب قِبلة لأنظار العالم.

0تعليقات