قراءة سياسية: أزمة سبتة تعيد النقاش حول الثقة في المؤسسات ومسؤولية تدبير الأزمات

قراءة سياسية: أزمة سبتة تعيد النقاش حول الثقة في المؤسسات ومسؤولية تدبير الأزمات

 أعادت موجة الهجرة غير النظامية التي شهدها محيط مدينة سبتة المحتلة فتح النقاش حول الأبعاد السياسية والاجتماعية للأزمة، بعدما اعتبر عدد من المحللين أن ما جرى يتجاوز كونه حدثاً أمنياً أو حدودياً، ليعكس تحديات أعمق ترتبط بواقع الشباب، ومستوى الثقة في المؤسسات، وآفاق التنمية والاندماج الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يرى أصحاب هذه القراءة أن التعامل مع الأزمة لم يكن ينبغي أن يقتصر على الجانب الأمني، بل كان يتطلب أيضاً تواصلاً سياسياً مباشراً مع الرأي العام، من خلال تقديم توضيحات رسمية بشأن تطورات الأحداث، وشرح الإجراءات المتخذة لمعالجتها، بما يساهم في تعزيز الثقة وطمأنة المواطنين.

كما تناولت القراءة غياب تواصل حكومي مكثف خلال الأيام الأولى للأزمة، معتبرة أن ذلك ترك المجال أمام منصات التواصل الاجتماعي لتصبح المصدر الرئيسي للمعلومات، وما رافق ذلك من انتشار روايات وتحليلات متباينة حول أسباب الأحداث وتداعياتها.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن تفسير اندفاع أعداد من الشباب نحو الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن يقتصر على تأثير المحتوى الرقمي أو الدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل، بل يستوجب مقاربة أشمل تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، من بينها البطالة، وصعوبة الاندماج المهني، والتفاوتات المجالية، والشعور بانسداد آفاق المستقبل لدى بعض الفئات.

وفي الجانب السياسي، يميز التحليل بين المسؤولية القانونية والمسؤولية السياسية، معتبراً أن تدبير الأزمات يقتضي تحمل المسؤولية عن السياسات العمومية ونتائجها، حتى وإن كانت بعض الإشكالات تعود إلى تراكمات امتدت لسنوات طويلة.

كما استندت القراءة إلى مفهوم "أخلاق المسؤولية" الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، للدفاع عن فكرة أن المسؤول السياسي مطالب بتقييم آثار القرارات والسياسات العمومية خلال فترة توليه المسؤولية، إلى جانب الحرص على التواصل مع المواطنين في أوقات الأزمات.

وتطرقت القراءة أيضاً إلى مسألة الثقة بين الشباب والمؤسسات، معتبرة أن الأزمة أبرزت وجود تساؤلات لدى جزء من الشباب حول فرص التشغيل، وجودة التعليم، والعدالة المجالية، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعاتهم.

وعلى المستوى الخارجي، تناول التحليل بعض القراءات الأوروبية التي ربطت أحداث سبتة بمفاهيم من قبيل "الضغط عبر الهجرة" أو "الحرب الهجينة"، داعياً إلى تعزيز التواصل المؤسساتي والدبلوماسية الإعلامية لتوضيح الموقف المغربي وتقديم معطيات دقيقة حول تدبير ملف الهجرة والتحديات المرتبطة به.

ويخلص أصحاب هذا الطرح إلى أن أزمة سبتة كشفت عن أهمية الجمع بين المقاربة الأمنية والسياسات الاجتماعية والتواصل المؤسساتي، معتبرين أن معالجة أسباب الهجرة غير النظامية تستدعي رؤية شاملة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وتسعى إلى تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، إلى جانب مواصلة تدبير الحدود ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية.