تحولت أحداث الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، في جزء من المشهد الإعلامي الإسباني، من واقعة مرتبطة بالحدود والهجرة إلى مادة لنقاش أوسع تتداخل فيه المخاوف الأمنية والصحية مع الصراع السياسي، وسط استعمال بعض المنابر المحافظة واليمينية لغة شديدة اللهجة في توصيف المهاجرين وتداعيات الأزمة.
وبرز هذا الاتجاه بشكل واضح في تغطيات صحيفتي “ABC” و“La Razón”، بينما قدمت “El Mundo” مقاربة مختلفة نسبياً، ربطت فيها الأزمة الحالية بتجربة أوروبا مع تدفقات اللاجئين سنة 2015، وما رافقها آنذاك من صعود لتيارات اليمين الراديكالي وتزايد الاستقطاب السياسي.
من الحدود إلى المستشفى والمنزل
دفعت صحيفة “ABC”، خلال ساعات متقاربة، بمواد تناولت الضغط على القطاع الصحي في سبتة، وحادثة دخول مهاجر إلى منزل امرأة، إلى جانب الحديث عن تحذير استخباراتي عسكري قيل إنه سبق موجة العبور بثلاثة أيام. وأدى تجاور هذه المواضيع، وفق القراءة الواردة في المادة، إلى رسم صورة قاتمة تتجاوز كل واقعة على حدة.
وفي الجانب الصحي، نقلت الصحيفة تحذيرات رئيس كلية الأطباء في سبتة بشأن محدودية الموارد واحتمال ظهور بؤر لأمراض معدية في ظل الاكتظاظ، بينما كانت وزيرة الصحة الإسبانية قد أكدت أن الخدمات الصحية عادت إلى طبيعتها دون تسجيل انهيار للمنظومة. وتلفت المادة إلى ضرورة التمييز بين التحذير من خطر محتمل وبين وجود انتشار فعلي للمرض.
كما تناولت “ABC” واقعة دخول مهاجر إلى منزل امرأة قبل توقيفه من طرف الشرطة الإسبانية، غير أن معالجة الحادثة انتقلت، بحسب النص، من مسؤولية شخص محدد إلى مناخ أوسع من المخاوف داخل المدينة، بما يطرح إشكالية تعميم الفعل الفردي على مجموعة بشرية كاملة.
«الغزو» يدخل قاموس تغطية الهجرة
أما صحيفة “La Razón” فاستعملت، في مقالات رأي وافتتاحيات، مفردات من قبيل “الغزو” و“العدوان” و“السلاح” و“الابتزاز”، كما تناولت ملف القاصرين غير المصحوبين من زاوية الكلفة والضغط على الدولة، في خطاب ينقل النقاش من الرعاية والحماية إلى اعتبارهم عبئاً على الخدمات العمومية.
واستخدمت الصحيفة كلمة “الغزو” في أكثر من مادة، إلى جانب تعبيرات مرتبطة بالسيادة والصراع بين الدول، ما جعل قضية الهجرة تُقدم في بعض المواد ضمن إطار أقرب إلى المواجهة السياسية والأمنية منه إلى أزمة تدفقات بشرية وحدودية.
ووصلت حدة الخطاب إلى مقالات ربطت الهجرة بالعلاقات المغربية الإسبانية، وطرحت فرضيات بشأن استخدامها وسيلة للضغط على مدريد، وهي استنتاجات سياسية تظل، كما تؤكد المادة الأصلية، منسوبة إلى أصحابها ولا تمثل وقائع مثبتة.
مخاوف من تكرار سيناريو أوروبا
في المقابل، أعادت “El Mundo” النقاش إلى التجربة الأوروبية خلال أزمة اللاجئين سنة 2015، مشيرة إلى أن الخوف من التدفقات المفاجئة ساهم في تعزيز حضور اليمين الراديكالي في عدد من البلدان، بينما كان للاحتكاك المباشر والمستمر بالمهاجرين أثر مختلف في بعض الحالات.
وتخلص المادة إلى أن خطورة بعض التغطيات لا تكمن في تناول الضغط الصحي أو الوقائع الأمنية أو مساءلة الحكومة، وهي موضوعات مشروعة صحافياً، وإنما في دمجها داخل سردية تجعل المهاجر مرتبطاً في الوقت نفسه بالحدود والمرض والجريمة والتهديد السياسي.
وبينما لا تتبنى الصحافة الإسبانية كلها المقاربة نفسها، يبرز داخل جزء من الصحافة المحافظة واليمينية خطاب أكثر تشدداً، ما يجعل الفصل بين الوقائع والاحتمالات، وبين المسؤولية الفردية والتعميم على المهاجرين، أحد أبرز تحديات المعالجة الإعلامية لهذه الأزمة.
