بين الذاكرة والتاريخ… حين يتحول الماضي إلى أداة صراع
جريدة تارودانت بريس الإلكترونية
في سياق تتداخل فيه رهانات الهوية مع الحسابات السياسية، لم تعد الذاكرة مجرد استحضار محايد للماضي، بل أضحت أداة رمزية تُستعمل لتوجيه الوعي الجماعي وصياغة سرديات تخدم صراعات الحاضر. فالجماعات التي تشعر بتهديد موقعها أو هويتها، غالبًا ما تعود إلى الذاكرة لا من أجل الفهم، بل من أجل التعبئة والانتقاء.
ويبرز هذا التوظيف حين يُعاد تشكيل الماضي وفق منطق الصراع، حيث تُضفى على أحداث معينة صفة البطولة، بينما يتم تهميش أو إخفاء وقائع أخرى، مع إعادة ترتيب الوقائع الزمنية لخدمة خطاب سياسي أو هوياتي محدد، فيتحول الماضي من مجال للمعرفة إلى وسيلة للاستعمال الرمزي.
في المقابل، يظل التاريخ مطالبًا بالحفاظ على مسافة نقدية من هذه التوظيفات، باعتباره مجالًا للسؤال والتفكيك، لا أداة للدعاية أو التبرير. ويقتضي هذا التمييز في الخطاب العمومي الفصل بين الذاكرة باعتبارها تعبيرًا شعوريًا، والتاريخ كمعرفة نقدية، بما يضمن التوازن بين التذكر دون تزوير، والاعتزاز بالماضي دون الارتهان له.
