الجزائر تستغل "مسار وهران" لإقحام الاتحاد الإفريقي في نزاع الصحراء رغم الثوابت الأممية
الجزائر العاصمة – تارودانت بريس
– أقدمت الجزائر، يومي الاثنين والثلاثاء 1 و2 ديسمبر 2025، على محاولة إعادة إحياء أجندتها الدبلوماسية بشأن نزاع الصحراء المغربية، مستغلة انعقاد الدورة الثانية عشرة للندوة رفيعة المستوى حول السلم والأمن في إفريقيا "مسار وهران"، بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي. وجاءت هذه الخطوة في شكل مباحثات بين وزير خارجيتها أحمد عطاف ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بعمليات السلم جان بيير لاكروا، في محاولة لإدراج الملف ضمن الأروقة القارية، رغم أن الأمم المتحدة تحصر إشرافها عليه منذ عقود، وفق قرارات مجلس الأمن المتتالية.
علمت جريدة تارودانت بريس الإخبارية أن برنامج الندوة، الذي احتضنته العاصمة الجزائرية، شهد مداخلات أكدت فيها الجزائر على ربط النزاع بقضايا "تصفية الاستعمار"، مع دعوة مباشرة لدعم أطروحة البوليساريو تحت عنوان "تقرير المصير". وفي كلمته الافتتاحية، عمد عطاف إلى إدراج الملف ضمن أولويات النقاش، متحدثاً بلغة تهدف إلى تحويل الملتقى إلى منصة إفريقية للترويج للرواية الانفصالية، حتى على حساب ملفات أخرى مثل القضية الفلسطينية التي يدعي الجانب الجزائري دعمها دولياً. وأكد عطاف، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية، أن "حان الوقت لتجريم الاستعمار وتصفيته نهائياً، وللأشقاء في الصحراء الغربية كل عبارات الدعم لتمسكهم بحق تقرير المصير".
ورغم هذه الجهود، أبقى موقف مفوضية الاتحاد الإفريقي على ثوابته، مستنداً إلى اتفاق قمة نواكشوط عام 2018، الذي حدد أن معالجة النزاع تتم حصرياً تحت رعاية الأمم المتحدة، مع تقتصر دور المنظمة القارية على دعم الجهود الأممية. وفي تصريح له خلال الندوة، أشاد رئيس المفوضية محمود علي يوسف بدور الجزائر في الدبلوماسية الإفريقية، لكنه لم يتجاوز الإطار المتفق عليه، مما يعكس فشل التحرك الجزائري في تغيير الديناميات القارية. كما أجرى عطاف لقاءات مع وزراء خارجية من دول إفريقية، لكن غياب دول كبرى مثل المغرب والسنغال عن الندوة يبرز تراجع التأثير الجزائري داخل الاتحاد.
تأتي هذه المناورة في سياق تراجع الدعم الدولي لأطروحة البوليساريو، مقابل توسع التأييد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي وصفها قرار مجلس الأمن رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 بأنها "مقاربة واقعية وجدية" للتسوية. وشهد النزاع، الذي يمتد منذ 1975 بعد انسحاب إسبانيا، تطورات دراماتيكية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب عام 2020، ودعم أوروبي متزايد من إسبانيا وفرنسا، مما أدى إلى زيادة الاعترافات بسيادة المغرب بنسبة 25% منذ 2021، وفق تقارير الأمم المتحدة. وأدى ذلك إلى عزلة جزائرية متزايدة، حيث أمتنعت عن التصويت على القرار الأخير، محاولة تعديل نصه للحفاظ على إشارات إلى "تقرير المصير".
من جهة أخرى، يرى الخبير السياسي دداي بيبوط، الباحث في التاريخ المعاصر، أن استضافة الجزائر لـ"مسار وهران" جاءت في إطار محاولة تعزيز فرص استراتيجية لإعادة إحياء أجندتها الدبلوماسية داخل الأروقة القارية. وقال بيبوط، في تصريح لوسائل إعلامية: "هذه الخطوة تأتي بعد غياب تداول السردية الجزائرية، نتيجة الزخم الدولي للخطة المغربية للحكم الذاتي، وفق قرار 2797 الذي كرسها كأرضية جدية للحل النهائي بعد خمسة عقود من النزاع". وأضاف: "الجزائر تسعى عبر مقعدها في مجلس السلم والأمن الإفريقي إلى تعزيز تأثيرها، لكن سعيها لتحويل الندوة إلى منصة لرواية البوليساريو لم يحقق نتائج، حيث أحبط الاتحاد مشاركتها في اجتماعات سابقة بأكرا يوليوز 2024".
وفي سياق اقتصادي، يفاقم النزاع الإقليمي خسائر الجزائر والمغرب، حيث يقدر إغلاق الحدود منذ 1994 بتكلفة تصل إلى 2 مليار دولار سنوياً لكل جانب، وفق دراسات البنك الدولي، مما يعيق مشروع الاتحاد المغاربي الذي يمكن أن يولد 10 مليارات دولار إضافية بحلول 2030. كما أكد سعيد بوشاكوك، باحث في قضايا التنمية والمجال، أن "النظام الجزائري يغرد خارج السرب بتجاوزه قرار 2797، الذي حدد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار للتفاوض بين الأطراف". وقال: "إقحام النزاع في الندوة يمثل دليلاً على فشل الدبلوماسية الجزائرية، مقابل الدعم المستمر للمقترح المغربي الذي يجمع الواقعية والشرعية". وأضاف: "هذا التوجه يعكس ارتباكاً في السياسات الخارجية، يفاقم العزلة الإقليمية ويضعف التأثير في المسارات الأممية".
تختتم أشغال الندوة غداً الأربعاء، وسط توقعات بإعلان مبادرات تعزيز التنسيق الإفريقي داخل مجلس الأمن، لكن مراقبين يرون أن محاولات الجزائر لربط النزاع بالسيادة القارية لن تغير الثوابت الدولية، خاصة مع التزام الاتحاد الإفريقي بدعم العملية الأممية. وفي الختام، تؤكد هذه المناورة على عمق التحديات الإقليمية، حيث يظل الحل الأممي الوحيد الطريق نحو الاستقرار والازدهار المشترك في المغرب العربي الكبير.
