📁 آخر الأخبار

سينما المرتزقة… حين يتحول العنف إلى عقد، والبطولة إلى سلعة

سينما المرتزقة… حين يتحول العنف إلى عقد، والبطولة إلى سلعة
سينما المرتزقة… حين يتحول العنف إلى عقد، والبطولة إلى سلعة

تتشكّل “سينما المرتزقة” كأحد أكثر الأنماط الفيلمية تعقيداً في تاريخ السينما المعاصرة، إذ تزاوج بين الحركة والبعد الفلسفي، وبين التشويق وأسئلة الهوية والولاء والمعنى. وهي سينما لا تُعنى بالبطل الوطني التقليدي، بل بالبطل المأجور الذي يتحرك خارج الدولة، ويقاتل لا من أجل قضية، وإنما من أجل الثمن.

وتُبرز هذه النوعية – كما كشفت جريدة تارودانت بريس الإخبارية في قراءتها التحليلية المعمّقة – أن المرتزق ليس شخصية ثانوية في سرديات العنف العالمية، بل هو “الإنسان العالق” بين الربح والخيانة، بين الواجب المأجور وصرخة الضمير.

دوامة الربح والخيانة: سردية إنسان بلا ولاء

ترصد هذه السينما شخصية المقاتل الذي يفقد وضوح الانتماء، فلا وطن يحركه ولا عقيدة تُلهمه. إنها صورة الإنسان الذي صار جزءاً من اقتصاد العنف:
عقدٌ يوقَّع، وساحة حرب تُستأجر، ومهمة تُنفَّذ وفق منطق “من يدفع أكثر”.

وفي قلب هذه الدوامة تتشكل أسئلة كبرى:

  • من يربح الحرب حين تُباع الأخلاق؟

  • من العدو حين تصبح الجبهات رمادية؟

  • وهل يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً بينما يتحول العنف إلى مهنة؟

البطل المأجور… البطولة في المنطقة الرمادية

البطل في هذا اللون السينمائي ليس بطلاً تقليدياً، بل كائن مأزوم، يقاتل بحثاً عن معنى، ويخسر المعنى في أثناء القتال. عيون مثقلة بالذاكرة، سلاحٌ يشبهه أكثر مما يشبه الجندي، وعزلة تجعل الشخصيات تبدو كأنها أجزاء من جغرافيا مدمَّرة.

وتُظهر أفلام مثل:

  • The Gunman (2015)

  • Tears of the Sun (2003)

  • Blood Diamond (2006)

كيف تتحول المهمة الواحدة إلى محكمة ضمير؛ وكيف يكتشف المرتزق أن “حدود الحرب لا تُرسم على القلوب”.

المرتزق في السوق العالمية: من الأيديولوجيا إلى النيوليبرالية

أحد أهم التحولات التي تعرضها هذه السينما هو الانتقال من “الحرب الوطنية” إلى “الحرب النيوليبرالية”، حيث تصبح الشركات العسكرية الخاصة بديلاً للدولة، ويغدو الأمن سلعة مثل أي سلعة أخرى.

ويصف أحد النقّاد هذه الظاهرة قائلاً:
“لم تعد الحرب حدثاً وطنياً… بل استثماراً له عائد.”

وهكذا يتحول المرتزق إلى “عامل في سوق الموت”، مجرد ترس في ماكينة سياسية اقتصادية عابرة للحدود.

جماليات العزلة… حين تتكلم الصورة بصمت

تعتمد “سينما المرتزقة” على جمالية بصرية خاصة:

  • ألوان داكنة

  • كاميرا مهزوزة

  • لقطات قاسية

  • صمت أكثر بلاغة من الكلام

لأن المرتزق ليس ثرثاراً؛ إنه يحاول النجاة فقط، والنجاة لا تحتاج إلى خطابات.

خسارة المعنى… الإنسان الذي ينهشه السلاح

تغوص هذه السينما في سؤال الوجود:
هل يمكن شراء البطولة إذا مات الضمير؟
وهل يعود الإنسان كما كان حين يصبح الموت وظيفته اليومية؟

وفي فيلم The Mission (1986) يقال للجندي المأجور:
“قد تقتل من أجل أجرك… لكن لا يمكنك أن تشتري روحك.”

وهي العبارة التي تلخص كل فلسفة سينما المرتزقة:
البطل الذي يقاتل بحثاً عن الخلاص، فيخسر الخلاص وهو يقاتل.



 

هيئة التحرير
هيئة التحرير
تعليقات