تبون يبشر بـ"الجزائر الجديدة" وسط انهيار الدينار وتصاعد أزمة الغلاء في السوق السوداء
في خطاب ألقاه أمس خلال زيارته إلى ولاية قسنطينة، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده حققت "إنجازات كبرى في ظرف زمني وجيز"، مشددًا على أن مسيرة "الجزائر الجديدة" لم توقفها "المعارك والإشاعات"، وأن السنة المقبلة ستشهد "انطلاقة جديدة وحقيقية" تنقل البلاد إلى "بر الأمان بصفة نهائية". وأضاف تبون، بابتسامة واثقة، أن "الوضع الاقتصادي متحكم فيه وأن كل المؤشرات الاقتصادية إيجابية"، مشيرًا إلى عدم لجوء الجزائر إلى المديونية الخارجية رغم انخفاض أسعار النفط، وإلى استعدادات الدولة لمواجهة أي طارئ. كما أعلن عن دخول مشاريع عملاقة مثل "غارا جبيلات" لإنتاج الحديد و"بلاد الحدبة" للفوسفات حيز الإنتاج قريبًا، معتبرًا هذه المشاريع "سلاحًا جديدًا" في الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، يبدو هذا الخطاب مستوردًا من عالم آخر، بعيدًا عن واقع الشارع الجزائري الذي يعاني من أزمات متسارعة. فبينما يتغنى الرئيس بالإنجازات، يواصل الدينار الجزائري هبوطه المهين أمام العملات الأجنبية، مما يعكس عجزًا في السياسات الاقتصادية. وفي يوم السبت 22 نونبر 2025، سجل اليورو مستوى تاريخيًا جديدًا في السوق السوداء، حيث بلغ سعره 280 دينارًا للوحدة، بارتفاع يفوق 10 دنانير منذ 26 أكتوبر، وفقًا لتقارير من ساحة بور سعيد بالعاصمة. أما الدولار، فقد وصل إلى 248 دينارًا، مما يعكس فقاعة مضاربية تلتهم مدخرات المواطنين وتزيد من الضغط على القدرة الشرائية.
كشفت جريدة تارودانت بريس الإخبارية، في تحقيق ميداني، أن هذا الارتفاع الجنوني ليس سوى انعكاس لعجز النظام عن خلق توازن بين العرض والطلب، وسط اعتماد مفرط على المحروقات دون تنويع حقيقي للاقتصاد. ففي بلد يصل فيه الحد الأدنى للأجور إلى 20 ألف دينار شهريًا، أصبح شراء 100 يورو يتطلب 28 ألف دينار، أي أكثر من راتب شهر كامل، مما يدفع الجزائريين إلى الاحتفاظ بمدخراتهم تحت الوسادة بدلًا من البنوك الرسمية التي تقدم أرقامًا "مستقرة" غير واقعية. ويتفاقم الوضع بطوابير طويلة أمام محلات الزيت والحليب، وارتفاع الغلاء الذي يهدد القدرة الشرائية، مع نسب بطالة تتجاوز 11.7% في الربع الأخير من 2023، وموجات هجرة غير نظامية تتزايد، حيث يفضل الشباب قوارب الموت على البقاء في "الجزائر الجديدة".
وبالفعل، يُعد فشل خلق مناخ استثماري تنافسي، واعتماد الموازنة على الريع النفطي، من أبرز أسباب هذه الأزمة المزمنة، حيث لم يتم تحويل الثروات الطبيعية إلى صناعات حقيقية، رغم الوعود المتكررة. فمع انخفاض أسعار النفط، تهاوى خطاب الاكتفاء الذاتي، وأصبحت الأولويات العسكرية تفوق الاحتياجات الاجتماعية، مما يجعل الاقتصاد يُدار بمنطق الثكنة بدلًا من الرؤية الاستراتيجية. وفي ظل هذه الدوامة، تبدو "الجزائر الجديدة" مجرد عبارة في نشرات الأخبار، لا بلدًا يتنفس خارج الفقر والبطالة والانهيار.
