تناقضات السياسة الجزائرية: بين الإنفاق الخارجي الباهظ والحاجة الملحة للتنمية الداخلية
الجزائر ـ تارودانت بريس في غضون الشهرين الماضيين، برزت بوضوح التباينات الحادة في توجهات السياسة الجزائرية، حيث يستمر تدفق الموارد المالية نحو النزاعات الدبلوماسية الخارجية، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، في الوقت الذي يعاني فيه الداخل الجزائري من تحديات تنموية عميقة. هذا الواقع يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، وسط دعوات دولية متزايدة للتهدئة والحوار بين الجزائر والمغرب.
يُعتبر النزاع حول الصحراء المغربية محوراً رئيسياً لهذه التناقضات، إذ تحول إلى عبء مالي ثقيل على الخزينة الجزائرية. بدلاً من توجيه العائدات النفطية نحو تعزيز الاقتصاد الداخلي، يتم صرف مبالغ هائلة على دعم مجموعات انفصالية وجهود دبلوماسية تهدف إلى مواجهة المواقف المغربية. وتشمل هذه الإنفاقات تمويل حملات إعلامية دولية، ودعم لوبيات ضغط في عواصم غربية، بالإضافة إلى صفقات سياسية مشبوهة داخل مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، كل ذلك في محاولة لتعزيز روايات معينة على الساحة الدولية.
كشفت جريدة تارودانت بريس الإخبارية، من خلال تحليل تقارير حديثة، أن الجزائر أنفقت أكثر من 500 مليار دولار على دعم جبهة البوليساريو منذ عام 1975، وفقاً لتقديرات سابقة من مسؤولين جزائريين أنفسهم. كما يبلغ ميزانية الدفاع الجزائرية لعام 2025 نحو 25 مليار دولار، وهو رقم يفوق كثيراً نظيره المغربي الذي يصل إلى 13 مليار دولار، وسط تصعيد التوترات العسكرية على الحدود. هذه الأرقام تكشف عن تركيز على الجانب العسكري والدبلوماسي، بينما يظل الشعب الجزائري يواجه صعوبات في مجالات مثل الصحة، التعليم، والبنية التحتية.
من المفارقات أن هذه الموارد المهدورة كانت كفيلة بإحداث نقلة نوعية داخل الجزائر، مثل بناء مستشفيات متطورة لتقليل الاعتماد على العلاج في الخارج، أو تطوير شبكات طرق تربط المناطق النائية، أو إنشاء مصانع توفر فرص عمل للشباب الذين يعانون من معدلات بطالة مرتفعة. وبعد خمسة عقود من هذا النهج، تظل الجزائر، رغم ثرواتها الطبيعية الوفيرة، بعيدة عن مستويات الازدهار التي حققتها دول أخرى في المنطقة.
مع تزايد الدعوات الدولية للوساطة، كما في الخطة الأمريكية للتصالح خلال 60 يوماً التي طرحت مؤخراً، أو النداءات من منتديات مغاربية لدور ليبيا وتونس وموريتانيا في الوساطة، يبقى السؤال معلقاً: هل ستتجه الجزائر نحو إعادة ترتيب أولوياتها لصالح التنمية الداخلية، أم ستستمر في مسار يعمق الخسائر الاقتصادية والسياسية؟
