الثياب التي تفكر بدلنا: كيف تحولت الموضة إلى ديانة سرية تبيع الفقر كترف والموت كجمال
تارودانت بريس الإخبارية – في زمن يُعاد فيه تدوير الفقر إلى "أناقة متمردة"، والهزال إلى "جمال راقٍ"، والطفولة إلى "رجولة عصرية"، والهوية المجهولة إلى "شعار عالمي"، تتحول الموضة من مجرد قطع قماش إلى مختبر فلسفي يعيد صياغة هويتنا الاجتماعية والنفسية، ويبيعنا أوهامًا بأسعار فلكية، فيما يبقى الجسد والروح أسيرين لقواعد لا نكتبها نحن.
علمت جريدة تارودانت بريس الإخبارية من خبراء في علم الاجتماع والنفس الاستهلاكي أن صناعة الأزياء العالمية، التي بلغت قيمتها 1.7 تريليون دولار في 2025 وفق تقرير "ماكينزي"، أصبحت أكبر آلة لإنتاج الوهم في التاريخ، حيث تُسوَّق السراويل الممزقة عمدًا بأسعار تصل إلى 5000 درهم، فيما كانت بالأمس علامة على الفقر، ويُروَّج للنحافة المرضية كمعيار جمال، رغم أن منظمة الصحة العالمية تحذر من أن 30% من عارضات الأزياء يعانين اضطرابات أكل حادة. وقال الدكتور محمد الرحالي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريح للجريدة: "الموضة اليوم ديانة بلا كتاب مقدس، كهنتها المصممون وطقوسها في المتاجر الفاخرة، وهي تحول الفقر إلى ترف مقنع ليتمكن الأثرياء من التباهي ببساطة لم يعيشوها يومًا". وأضاف: "السروال المثقوب ليس مجرد قماش، بل إعلان اجتماعي: أنا غني بما يكفي لأرتدي الفقر دون أن أكون فقيرًا".
وأكدت الدكتورة لمياء بنشقرون، أخصائية نفسية إكلينيكية: "النحافة المفرطة التي تُسوَّق كجمال تُنتج جيلًا من الشابات يرين في الجوع انتصارًا، وفي الهيكل العظمي مثالية، مما يرفع نسب اضطرابات الأكل بنسبة 45% خلال العقد الأخير في المغرب، وفق دراسات وزارة الصحة". وأضافت: "الحقيبة الصغيرة التي يحملها الرجال اليوم، والتي تشبه مقلمة الأطفال، ليست عملية بل تمرد رمزي على الرجولة التقليدية، لكنها في النهاية سلعة تحول الطفولة إلى ترف رجولي بـ3000 درهم". أما القمصان المستعملة المستوردة من الغرب، والتي تحمل شعارات فرق لا نعرفها، فتُباع في أسواق شعبية مثل درب عمر بالدار البيضاء بـ50 درهمًا، لتصبح هوية مستعارة نرتديها دون أن نفهمها، كما يوضح الباحث في الثقافة الشعبية، السيد عبد الإله بلقزيز: "هذه القمصان نصوص صامتة تهاجر من خزانة أمريكية إلى جسد مغربي، فتفرغ العولمة الهوية من معناها وتبيعها كقماش رخيص".
من الناحية التحليلية، تُعد الموضة أكبر عملية خداع جماعي في العصر الحديث، حيث ينفق المغاربة أكثر من 28 مليار درهم سنويًا على الملابس والإكسسوارات، وفق إحصائيات المكتب الوطني للإحصاء 2025، فيما 40% من هذه المشتريات تُرمى خلال عام واحد بسبب "انتهاء الموسم". اقتصاديًا، تسيطر 10 علامات تجارية عالمية على 70% من السوق، وتُنتج 92 مليون طن من النفايات النسيجية سنويًا، مما يجعل الموضة ثاني أكبر ملوث بعد صناعة النفط. اجتماعيًا، تُكرس انقسامًا طبقيًا: الفقير يشتري "المستعمل" ليغطي جسده، والغني يشتري "الممزق" ليتباهى بفقر لم يعشه. نفسيًا، تحول الموضة الجسد إلى لوحة إعلانية، والروح إلى فراغ يُملأ بقطع قماش. فلسفيًا، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار: "الموضة هي الموت المقنع بالحياة، نظام يبيع اللا معقول كضرورة". وفي السياق المغربي، حيث يرتفع الإنفاق على الأزياء بنسبة 12% سنويًا رغم التضخم، تتحول الموضة إلى مرآة مضللة: نرتدي لنخفي، لا لنكشف، ونشتري لنثبت وجودنا، لا لنرتاح. قال الرحالي في ختام تصريحه: "الموضة لا تسألك هل أنت مرتاح؟ بل هل تجرؤ على دفع الثمن لتثبت أنك موجود؟". وأكدت بنشقرون: "في النهاية، الثوب لا يفكر بدلنا، نحن من سمحنا له بذلك، ونضحك بعد سنوات على صورنا القديمة، بينما نكرر اليوم نفس الخدعة".
