اعتقال الصحافي سعد بوعقبة: هل يُحاكم النقاش التاريخي في الجزائر بتهمة "الإساءة للرموز"؟
تارودانت - خاص لجريدة تارودانت بريس الإخبارية
أثار إيداع الصحافي الجزائري المخضرم سعد بوعقبة، البالغ من العمر 79 عامًا، رهن الحبس المؤقت يوم الخميس 27 نونبر 2025، موجة من الغضب والتساؤلات حول حدود حرية التعبير في الجزائر، خاصة عندما يتعلق الأمر بنقاشات تاريخية حساسة تتجاوز الرواية الرسمية. وعلمت جريدة تارودانت بريس الإخبارية من مصادر قضائية جزائرية أن المحكمة ببئر مراد رايس أصدرت أمرًا بهذا الإيداع بعد شكوى تقدمت بها مهدية بن بلة، ابنة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، تتهمه فيها بالتشهير والإساءة إلى "رموز الثورة التحريرية"، مع تحديد جلسة المحاكمة ليوم 4 دجنبر المقبل. وسرعان ما امتدت المتابعات لتشمل مدير قناة "فيزيون تي في" عبد الرحيم حراوي، الذي أُفرج عنه، بتهم نشر "أخبار كاذبة" و"إهانة رموز الثورة"، إضافة إلى حظر القناة لعدم امتلاكها ترخيصًا.
جاء الاعتقال بعد استدعاء بوعقبة إلى مقر الدرك الوطني يوم الأربعاء 26 نونبر، للاستماع إليه بشأن تصريحات أدلى بها في برنامج "دون بروتوكول" على قناة "فيزيون تي في"، حيث تطرق إلى ملف "أموال جبهة التحرير الوطني" المودعة في بنوك سويسرية خلال الخمسينيات، مستندًا إلى كتاب للكاتب الفرنسي فرانسوا دومون صدر في السبعينيات. وأكد بوعقبة أمام المحققين أنه اكتفى بإعادة رواية مضمون الكتاب، الذي لم يعترض عليه أي من قادة الجبهة حينها، وأن جزءًا من تلك الأموال عاد فعليًا إلى عائلة محمد خيضر بعد اغتياله عام 1967، قبل إعادة جزء منها للدولة. غير أن وكيل الجمهورية غير التهمة أمام المحكمة إلى "المساس برموز الدولة"، مستندًا إلى مواد 148 مكرر 1، 333 مكرر 6، و196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، مما أدى إلى إيداعه السجن فورًا في سجن الحراش.
من الناحية التحليلية، يُعد هذا الإجراء خطوة تصعيدية تعكس تمسك النظام الجزائري بـ"الرواية الرسمية للثورة"، في سياق تضييق متزايد على الصحافة المستقلة، حيث بلغ عدد الصحافيين المعتقلين 25 حاليًا وفق تقرير لجنة حماية الصحفيين لعام 2025، مقارنة بـ15 في 2023. وقال الخبير القانوني الجزائري حميدة آياشي، في تحليل نشرته صحيفة "لو ماتان دالجيري"، إن "إيداع بوعقبة يُظهر إساءة استخدام القانون لتوسيع المسؤولية الجنائية على المهنيين، حيث يُحاكم الصحافي لمجرد اقتباس مصدر تاريخي، مما يفتح الباب لقمع أي نقاش حر". وأضاف آياشي أن "هذا الإجراء يتجاوز الشكوى الشخصية ليصبح أداة سياسية، خاصة مع تدخل وزارة المجاهدين كطرف مدني، ليصبح السجن عقابًا للكلمة قبل الجريمة". وأكد الخبير الإعلامي الدولي رفيق تاجير، في تصريح لـ"تي إس إيه"، أن "القضية تكشف عن هشاشة الشرعية الجزائرية، حيث يُعامل النقاش التاريخي كتهديد أمني، في وقت تُعترف فيه دول مثل فرنسا بعدم وجود دولة جزائرية موحدة قبل الاستعمار، كما قال الرئيس ماكرون".
بالرجوع إلى السياق التاريخي، يعود ملف "أموال الجبهة" إلى الستينيات، حيث قدرت التقديرات الفرنسية حجم الودائع السويسرية بنحو 200 مليون دولار، استخدم جزء منها في تمويل الثورة، لكن اتهامات بالاقتسام بين قادة مثل بن بلة وبومدين أثارت جدلاً منذ السبعينيات، دون تحقيق رسمي. ويأتي اعتقال بوعقبة في سياق اجتماعي واقتصادي متوتر، مع معدلات بطالة تصل إلى 12% بين الشباب وفق البنك الدولي لـ2025، مما يجعل الصحافة المستقلة صمام أمان للنقد، لكن النظام يرى فيها تهديدًا. ولم يكن هذا أول مواجهة لبوعقبة مع السلطات؛ فقد سُجن في فبراير 2023 بسبب مقال ساخر عن مشروع قطري لإنتاج الحليب، وما زال خاضعًا لمنع سفر مع حجز جواز سفره. وقالت الناشطة الجزائرية هيام مناجر على منصة إكس: "استمعت إلى بوعقبة ولم أجد شيئًا يستحق السجن، هذا يضرب حرية التعبير في مقتل"، مشيرة إلى أن الاعتقال يُشبه قضايا سابقة مثل اعتقال الروائي بوعلام صنصال عامًا كاملاً بسبب آراء تاريخية.
وفي السياق الإقليمي، تتقاطع هذه القضية مع توترات الجزائر مع المغرب حول الصحراء الشرقية، حيث ذكر بوعقبة في البرنامج دور الجزائر في فرض "الحدود الموروثة" داخل منظمة الوحدة الأفريقية خوفًا من مطالب مغربية، مما أثار هاشتاغات مثل #سعد_بوعقبة على إكس، مع أكثر من 10 آلاف تغريدة في 24 ساعة. وأكد مراقبون أن هذا الإجراء يعزز صورة الجزائر كدولة تُقمع الأصوات الحرة، في وقت تسجل فيه منظمة العفو الدولية 150 حالة اعتقال سياسي في 2025. وفي انتظار جلسة 4 دجنبر، يبقى السؤال: هل أصبح النقاش التاريخي جريمة، أم أن النظام يستخدم القانون لإسكات أي صوت يهدد روايته الرسمية؟
