قرار مجلس الأمن 2797: لحظة حاسمة في مسار الحكم الذاتي.. إقبار للطروحات الانفصالية وتأكيد للسيادة المغربية
في لحظة تاريخية تتجاوز حدود الدبلوماسية اليومية لتصبح نقطة تحول في تاريخ النزاعات الإقليمية، أفرجت الأمانة العامة للأمم المتحدة أخيراً عن النسخة العربية الرسمية لقرار مجلس الأمن رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية، بعد أسابيع من الترقب الذي أثارته التحفظات الجزائرية على صياغة النص. هذا الإفراج، الذي جاء في 25 نوفمبر 2025، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تأكيداً قاطعاً لالتزام المنظمة الدولية بلغة الوثيقة الأصلية، دون أي تعديل يمس جوهرها أو يفتح الباب لتأويلات انتقائية. يعكس القرار، الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية 11 صوتاً مع امتناع روسيا والصين وباكستان، ودون مشاركة الجزائر في التصويت، تحولاً جذرياً في التعاطي الدولي مع هذا النزاع الممتد لنصف قرن، حيث يرسخ مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس وحيد لأي عملية سياسية مستقبلية. وفي هذا السياق، يبرز الدعم الدولي المتزايد للسيادة المغربية، الذي تجسد في افتتاح قنصليات عديدة بالأقاليم الجنوبية، كعامل حاسم في دفع هذا التحول نحو تسوية عادلة ودائمة.
شفافية أممية تواجه المناورات الدبلوماسية
يأتي نشر النسخة العربية للقرار 2797 كإغلاق نهائي لفصل من الجدل الذي أثارته محاولات الجزائر للتأثير في مصطلحاته القانونية، محاولة حصر العملية السياسية بين المغرب وجبهة البوليساريو، مع تجاهل دورها كطرف رئيسي في النزاع. فالنص العربي، الذي يعيد صياغة الإطار الأمريكي الأصلي دون أي تحريف، يؤكد أن الأمم المتحدة لم تغير شيئاً من الجوهر، بل شددت على أن المبادرات السياسية المقدمة من الأطراف لا تُقدم كخيارات متساوية أو بدائل، بل تُناقش ضمن الإطار الوحيد الذي حدده المجلس: مسار الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب في 11 أبريل 2007. هذه الصياغة ليست مجرد تأكيد إجرائي، بل إشارة واضحة إلى قطع الطريق أمام أي محاولات لتمرير طروحات خارج هذا السقف، مثل فكرة الاستفتاء على الاستقلال، التي أثبتت عدم قابليتها للتطبيق على مدى عقود.
كشفت جريدة تارودانت بريس الإخبارية، في تحقيق ميداني معمق، أن هذا التأخير البالغ 24 يوماً في نشر النسخة العربية كان نتيجة ضغوط جزائرية مباشرة على عملية الترجمة، محاولة استغلال الفراغ لنشر روايات بديلة تقلل من مرجعية المبادرة المغربية. ومع ذلك، فإن الإفراج الرسمي يعيد ترتيب الأوراق، مما يمنح النقاش زخماً جديداً مبنياً على الشفافية والاحترام الكامل للمرجعية الأممية. يتجاوز القرار هنا الروتين السنوي لتمديد ولاية بعثة "المينورسو" لعام إضافي، ليصبح وثيقة مرجعية تاريخية تعكس تنامي الدعم الدولي لمغربية الصحراء، مدعوماً بجهود دبلوماسية مغربية مستندة إلى التوجيهات الملكية السامية. فمنذ طرح المبادرة، شهدت الأقاليم الجنوبية تطوراً تنموياً ودبلوماسياً، مع افتتاح عشرات القنصليات في العيون والداخلة، يعزز من الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية كحقيقة ميدانية لا تقبل الجدل.
وفي قراءة للنص، يبرز التركيز على دعوة الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات "دون شروط مسبقة وبحسن نية"، تحت رعاية المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا، كخطوة نحو كسر الجمود الذي طال أمده. هذا النهج لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الاجتماعي والإنساني، مع الإشارة الضمنية إلى معاناة السكان في مخيمات تندوف، ودعوة للمراجعة الاستراتيجية لوظيفة "المينورسو" خلال ستة أشهر، مع مراعاة نتائج المفاوضات. إن مثل هذا الربط المنطقي بين الإطار القانوني والواقع الميداني يعكس نضجاً في التعامل مع النزاع، يفوق الخطابات الشعاراتية التي سادت في السابق.
تحول جيوسياسي يعيد رسم الخريطة المغاربية
يُعد قرار 2797، في سياقه التاريخي، امتداداً لسلسلة قرارات سابقة بدأت منذ 2007، لكنه يمثل قفزة نوعية بتبني المبادرة المغربية كـ"أساس جدي وواقعي" لأول مرة، مقارنة بالإحاطات السابقة التي كانت تُعاملها كخيار واحد ضمن سلة أخرى. هذا التحول ليس عفوياً، بل نتاج استراتيجية مغربية متكاملة جمعت بين الدبلوماسية الثنائية والقانونية، حيث أقنع المغرب أعضاء المجلس الدائمين مثل الولايات المتحدة وفرنسا بأن الحكم الذاتي يجسد تقرير المصير الحديث دون اللجوء إلى الانفصال، وهو ما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة. سياسياً، يعزل القرار الطروحات الانفصالية، إذ غياب أي إشارة إلى استفتاء يعكس اعترافاً ضمنياً بعدم جدواها، مع التركيز على حل يضمن الاستقرار الإقليمي والأمن المشترك في المغرب العربي.
اقتصادياً، يفتح القرار آفاقاً لتكامل مغاربي، حيث يشجع على مشاركة الدول المجاورة في المفاوضات، مما قد يعيد إحياء الاتحاد المغاربي على أسس التعاون بدلاً من التنافس. اجتماعياً، يبرز كحل يلبي تطلعات الصحراويين في اللم شمل والتنمية، بعيداً عن تأبيد النزاع الذي أدى إلى معاناة إنسانية مستمرة. أما في القراءة العامة، فيضع القرار النزاع في إطار جيوسياسي أوسع، حيث يعكس تراجع النفوذ الجزائري في الملف، مع تعزيز الإجماع العربي والإفريقي والغربي حول الخطة المغربية، كما أكدت تصريحات الملك محمد السادس في شكره للداعمين.
رؤية تحريرية مضافة
من بين التداعيات المستقبلية لهذا القرار، تبرز إمكانية إعادة دينامية العملية السياسية تحت قيادة دي ميستورا، مع طلب خطة مغربية موسعة للحكم الذاتي، كما أعلن الملك في خطابه الأخير. هذا يفتح الباب لسيناريوهات إيجابية تشمل مشاركة المجتمع المدني الصحراوي، خاصة النساء والشباب، في صياغة الحلول، مما قد يعزز الشرعية الداخلية ويقلل من التوترات في المخيمات. ومع ذلك، يظل التحدي في كيفية مواجهة أي محاولات تعطيل جزائرية أو بوليساريوية، حيث يمثل الإجماع الدولي ضمانة للتقدم نحو تسوية تُنهي النزاع المفتعل وتُعيد الاستقرار إلى المنطقة.
الخلاصة الختامية الممتازة
في الختام، يمثل قرار مجلس الأمن 2797 نقطة تحول استراتيجية في مسار نزاع الصحراء المغربية، حيث يرسخ مبادرة الحكم الذاتي كأرضية وحيدة للمفاوضات، ويقطع الطريق أمام الطروحات غير الواقعية، مع تجديد الالتزام الدولي بتسهيل عملية سياسية شفافة ومتوازنة. هذا النص، الذي نشر بست لغات رسمياً، ليس مجرد وثيقة قانونية، بل شهادة على نجاح الدبلوماسية المغربية في بناء إجماع دولي يعترف بمغربية الصحراء كحقيقة لا رجعة فيها، مدعوماً بتطورات ميدانية وتنموية في الأقاليم الجنوبية. ومع ذلك، يبقى الطريق أمام المغرب مفتوحاً لتعزيز هذا الزخم من خلال خطط محدثة تضمن مشاركة واسعة، ليصبح الحل السياسي ليس مجرد هدف، بل واقعاً يُنهي عقوداً من الجمود ويُعيد رسم خريطة الاستقرار المغاربي. في هذا السياق، يُعد الإفراج عن النسخة العربية خطوة رمزية حاسمة، تُعزز الثقة في المرجعية الأممية وتُدعو الأطراف إلى مسؤولية مشتركة نحو تسوية عادلة ودائمة.
