أخر الاخبار

صدى انهيار بريطانيا يتردد في أنحاء العالم "2 من 2"

صدى انهيار بريطانيا يتردد في أنحاء العالم "2 من 2"

 صدى انهيار بريطانيا يتردد في أنحاء العالم "2 من 2"

لنفترض الآن أن النمو في بريطانيا يبلغ 1 في المائة، لكن التضخم يتسارع إلى 4 في المائة، وترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 90 في المائة. في هذه الحالة، يمكن للحكومة اقتراض ما يصل إلى 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي دون تغيير نسبة الدين.

لكن إذا كانت هناك حجج معقولة تبرر سياسات بريطانيا الجديدة، فلماذا أغرقت الأسواق المالية في الاضطرابات؟ قد يكمن السبب في الأخطاء السياسية والمؤسسية المذهلة التي تكاد تضمن نهاية هيمنة طويلة للمحافظين في السياسة البريطانية.

ومن خلال الجمع بين حافز "كينز" المفيد، وإلغاء غير ذي صلة اقتصاديا، يعد وساما سياسيا لأعلى معدل ضرائب في بريطانيا، وفي هذا الأمر أعطت تراس الانطباع أن الهدف الحقيقي للحكومة الجديدة هو إعادة توزيع الدخل بدءا بالفقراء وانتهاء بالأغنياء. ومن خلال الإصرار غير المدعوم بأدلة على أن التخفيضات الضريبية من شأنها أن تعزز اتجاه النمو طويل الأجل في بريطانيا، بدلا من مجرد الوعد بتجنب الركود الكارثي الناجم عن حرب أوكرانيا، فقد عرضت تراس نفسها للسخرية الاقتصادية، وأعدت نفسها للفشل السياسي عندما لم تحدث معجزة من جانب العرض.

كما تسببت تراس أيضا في نفور المؤسسة الحكومية البريطانية بالكامل بلا ضرورة. فقد أقالت أقوى موظف حكومي بريطاني، وزير الخزانة الدائم، دون سبب وجيه. ورفضت السماح بتحليل موضوعي لخططها من قبل مكتب مسؤولية الميزانية، وهو أمر عادة ما يكون مطلبا قانونيا لأي ميزانية. وسخرت من الإدارة النقدية لبنك إنجلترا. وبعد هذه الهجمات غير المبررة على التقاليد البريطانية القديمة في الخدمة العامة غير الحزبية، ربما لم يشعر مسؤولو وزارة الخزانة وبنك إنجلترا بقلق شديد بشأن الاضطرابات التي تعرضت لها السوق الشهر الماضي.

وبسبب كل هذه الأخطاء الفادحة، هناك شبه إجماع بين منظمي استطلاعات الرأي الآن على أن المحافظين سيخسرون الانتخابات المقبلة. وفي الواقع، على مدار تاريخ بريطانيا، دائما ما كان الحزب الحاكم يخسرها بعد الأزمات المالية، حتى بعد تلك التي أعقبها انتعاش اقتصادي لائق. ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط خلال العامين المقبلين.

ولنفترض ما أرجح حدوثه، وهو أن تتمكن بريطانيا من تجنب الانهيار الاقتصادي الذي يعده عديد من المراقبين الآن أمرا حتميا، وأن تضغط على التضخم مرة أخرى إلى مستويات مقبولة مستعينة بالدعم المخصص للطاقة وضوابط الأسعار ـ ليس إلى الهدف الرسمي المحدد في 2 في المائة، لكن إلى 4 في المائة أو 5 في المائة. وبحلول الصيف المقبل، قد تبدأ الدول الأخرى العالقة في الركود النظر باهتمام إلى التجربة الاقتصادية البريطانية غير التقليدية.

لكن داخل بريطانيا، لن ينسب إلى تراس أي فضل في تجنب كارثة اقتصادية قصيرة المدى، لأنها لم تقدم ذلك على أنه هدفها الرئيس. وبدلا من ذلك، ستواجه السخرية لأنها نكثت بوعدها المستحيل بتحقيق نمو مستدام في جانب العرض. وفي غضون ذلك، ستستعد أحزاب المعارضة لمواجهة الحكومة، وستكون مطالبة باقتراح سياسات بديلة لتحقيق النمو طويل الأجل الذي أخفق حزب المحافظين في تحقيقه.
ومع استنفاد الفسحة المالية بسبب التخفيضات الضريبية التي فرضتها تراس، وبسبب التضخم الذي ما زال يمثل مشكلة خطيرة، لن يكون هناك احتمال جاد لسياسات بديلة تعتمد على مزيد من الإنفاق العام. لكن يمكن لأي حكومة غير محافظة تخرج من الانتخابات المقبلة أن تقدم سياسة واحدة موثوقة تماما، ومن شأنها تحسين آفاق النمو في بريطانيا على الفور دون تكاليف الميزانية، استعادة التعاون مع شريكها التجاري المهيمن إلى حد كبير، الاتحاد الأوروبي.

هذه السياسة لا تتحدى "بريكست"، بل قد تعني التفاوض بشأن اتحاد جمركي جديد، ومواءمة اللوائح التنظيمية البريطانية مع السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، والتحرك تدريجيا نحو علاقة أوثق مع الاتحاد، على غرار الترتيبات السويسرية والنرويجية. وقبل شهر مضى، كان سيكون هذا خيالا، لكن في الوقت الراهن، وفي كل يوم تقريبا، تحدث أشياء غريبة في بريطانيا.

* نقلا عن صحيفة الاقتصادية/بروجيكت سنديكيت، 2022.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-