آخر الأخبار
أخبار ساخنة

taroudant press - لكريني: استخدام القوة في العلاقات بين الدول ينذر بانتهاء عصر الأمم المتحدة - جريدة تارودانت بريس

الصفحة الرئيسية

taroudant press -  لكريني: استخدام القوة في العلاقات بين الدول ينذر بانتهاء عصر الأمم المتحدة - جريدة تارودانت بريس

 taroudant press -  لكريني: استخدام القوة في العلاقات بين الدول ينذر بانتهاء عصر الأمم المتحدة - جريدة تارودانت بريس

قال الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، إن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا مثّل امتحانا حقيقيا كشف عجزا رهيبا في أداء مجلس الأمن الذي يبدو أنه يتعامل مع النزاعات والخروقات الدولية بمنطقين مختلفين.


وأضاف الأكاديمي المغربي، ضمن مقال بعنوان “هل انتهى عصر الأمم المتحدة؟، أنه على عكس الدول الضعيفة التي غالبا ما يتحرك مجلس الأمن بصرامة لمواجهة الاعتداءات والخروقات التي تسقط فيها، فإن الأمر يكون مختلفا عندما يتعلق بسلوكات مماثلة تقوم بها دول عظمى.


واعتبر توجه الدول العظمى إلى استخدام القوة في العلاقات الدولية لتحقيق مصالحها، يؤشر على سوابق خطيرة ستؤدي إلى تكريس “قانون القوة”، بل وإلى انهيار الأمم المتحدة والقانون الدولي نفسه.


وهذا نص المقال

عندما تأسست الأمم المتحدة في عام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي خلفت دمارا كبيرا، على أنقاض عصبة الأمم التي انهارت بعد فشلها في تحقيق رهانات السلام، عقدت آمال كبيرة على هذه الهيئة الجديدة باتجاه تجنيب العالم ويلات الحروب.


حاول مؤسسو المنظمة الأممية الاستفادة من أخطاء الماضي؛ فقد تم تضمين الميثاق مجموعة من المبادئ، كمنع استعمال القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعوة هذه الأخيرة إلى نهج السبل السلمية لتسوية المنازعات، وتنفيذ التزاماتها بحسن نية، وإقرار المساواة في السيادة بين الدول.


جعلت الهيئة من حفظ السلم والأمن الدوليين على رأس أولوياتها، إلى جانب حماية حقوق الإنسان، وتنسيق العلاقات الودية بين الدول. وفي سبيل ذلك، نهجت مسلكين أساسيين؛ الأول وقائي يقوم على منع ومواجهة كل العوامل التي من شأنها إشعال الحروب وتعميق الخلافات بين الدول، حيث استثمرت أجهزتها ووكالاتها المتخصصة لإرساء مناخ من الثقة بين الدول والعمل على تشبيك العلاقات وتنظيمها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والسياسية.


والمسلك الثاني علاجي يقوم على اعتماد مجموعة من الآليات المتصلة بتسوية المنازعات، سواء تعلق الأمر بالسبل السلمية التي تتركز حول الأساليب الدبلوماسية، كالمفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة والتوفيق والتحقيق وعرض المنازعات على المنظمات الإقليمية أو القضائية التي ترتبط بعرض النزاعات على المحاكم الدولية ولجان التحكيم، أو عبر السبل القسرية، من خلال التدابير العقابية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية التي يمكن لمجلس الأمن أن يتخذها بموجب الفصل السابع من الميثاق في حال حدوث عدوان تهديد أو خرق للسلم والأمن الدوليين.


ألقت ظروف الحرب الباردة بظلالها القاتمة على المنظمة، بعدما انتقل إليها الصراع الإيديولوجي الذي سيطر لعقود بين المعسكرين الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي (سابقا) وخصمه المعسكر الغربي الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، ما أدى إلى جمود مجلس الأمن بفعل الاستخدام المكثف لحق الاعتراض. وهو ما جعل حصيلتها في هذه المرحلة من تطور النظام الدولي هزيلة ودون مستوى التحديات والمخاطر والأزمات التي شهدها العالم في هذه الظرفية.


وعندما انهار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي، بشّرت الولايات المتحدة الأمريكية العالم بولادة نظام دولي جديد، تقوم فيه الأمم المتحدة بدور ريادي على مستوى إرساء الأمن وتعزيز السلام العالمي، بعد تحررها من الصراع الإيديولوجي. ولم تكد تمضي سوى بضع سنوات على ذلك حتى كشفت الممارسات الدولية زيف هذه الشعارات؛ ذلك أن الدينامية التي طبعت أداء مجلس الأمن خلال هذه الفترة لم تخل من انحرافات، بعدما تم تجاوز مقتضيات الميثاق، بإعمال تدخلات زجرية بذرائع مختلفة متصلة بـ”بتعزيز الديمقراطية” أو “حماية حقوق الإنسان” أو “مكافحة الإرهاب”… فيما ظلت كثير من القضايا الملحة بعيدة عن اهتمام المجلس، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية.


وقد كشف تمدد جائحة كورونا التي تأثرت خلالها العلاقات الدولية بشكل سلبي غير مسبوق، بفعل تعطل المعاملات الاقتصادية وإغلاق المطارات وانتشار حالة من الهلع والخوف في أوساط المجتمعات بمختلف مناطق العالم، الكثير من الاختلالات التي تعتري أداء الأمم المتحدة، بعدما بدت هذه الأخيرة خارج السياق، وكأن الأحداث قد تجاوزتها، حيث اقتصرت مهامها على طرح بعض التعليمات والأخبار دون القدرة على اتخاذ تدابير وقائية أو علاجية ناجعة وفي مستوى خطورة الوضع، وهو ما يؤكد أن الهيئة لم تستوعب التطورات الكبرى التي لحقت بمفهوم السلم والأمن الدوليين، ببروز مخاطر عابرة للحدود تتجاوز التهديدات العسكرية التي شكلت الهاجس الأساسي خلال فترة الحرب الباردة.


وضمن محك حقيقي لقياس مدى جاهزية ومصداقية المنظمة، مثّل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا امتحانا حقيقيا كشف عجزا رهيبا في أداء مجلس الأمن الذي يبدو أنه يتعامل مع النزاعات والخروقات الدولية بمنطقين مختلفين؛ فعلى عكس الدول الضعيفة التي غالبا ما يتحرك مجلس الأمن بصرامة لمواجهة الاعتداءات والخروقات التي تسقط فيها (الاحتلال العراقي للكويت عام 1990)، فإن الأمر يكون مختلفا عندما يتعلق بسلوكات مماثلة تقوم بها دول عظمى (الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا عام 2022)، وهذا أمر طبيعي إذا استحضرنا موازين اتخاذ القرار داخل المجلس والامتيازات التي تستأثر بها دول بعينها على مستوى امتلاك حق الفيتو والعضوية الدائمة مقارنة بباقي الدول الأعضاء داخل الهيئة.


لقد أصبح واضحا أن ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر في عام 1945 لم يعد يعكس موازين القوى في عالم اليوم بعد ظهور مجموعة من الأقطاب الدولية الوازنة كألمانيا والبرازيل وإيطاليا…، كما أن مقتضياته يلفها كثير من الغموض والتناقض أحيانا، ما يتيح أمام الدول التوسع في تفسيرها وتأويلها بسبل لا تخلو من مبالغة وانحراف، وبما يتناقض مع متطلبات المشروعية الدولية.


إن توجه عدد من الدول الكبرى إلى استخدام القوة في العلاقات الدولية لتحقيق مصالحها، هو أسلوب يكرّس سوابق خطيرة يمكنها أن تشجع أخرى على نهج الخيار نفسه لتسوية ما يثور بينها من خلافات، ما سيؤدي إلى تكريس “قانون القوة”، بل وإلى انهيار الأمم المتحدة والقانون الدولي نفسه.


لا يمكن نفي الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة منذ تأسيسها في سبيل حفظ السلم والأمن الدوليين، فالعالم بدونها سيكون قاتما؛ فقد قامت بجهود كبيرة على المستوى الوقائي، وشكلت مركزا للحوار ولتشبيك العلاقات بين الدول في مختلف المجالات، ومع ذلك يمكن القول إن عودة استخدام القوة العسكرية بشكل جلي إلى الواجهة الدولية، يمثل أحد التحديات الكبرى بالنسبة لهذه الهيئة؛ ذلك أن عصبة الأمم انهارت بسبب عدم قدرتها على منع النزاعات المسلحة، ولذلك تقف الأمم المتحدة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تعتمد إصلاحات جذرية تروم “دمقرطتها” وانفتاحها على المتغيرات الدولية الراهنة بموازينها وأولوياتها وتحدياتها المختلفة، وإما انتظار المصير المحتوم المتمثل في الزوال، مثلما حدث لعصبة الأمم.

Taroudantpress - جريدة تارودانت بـريس الإلكترونية.


google-playkhamsatmostaqltradent